خريف الغضب في فرنسا : من تمرد على أوضاع المدرسة العمومية الى احتجاج شامل …
شارك هذا المقال
انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاجات من أزمة المدرسة العمومية في فرنسا لتتحول الى ازمة ثقة شاملة في كل المؤسسات وليحدث الاصطدام بين جهاز الامن والمحتجين. هكذا بدأ خريف الغضب في عاصمة الانوار قبل ان تنتقل العدوى الى بلدان أخرى من القارة العجوز.
فهل نحن امام تحولات اجتماعية عميقة تشهدها فرنسا وباقي بلدان القارة ؟ ام نحن فقط امام غضب انفجر فجأة وسيخفت بسرعة أيضا؟
تواصلت اليوم الاحتجاجات في فرنسا وسط تعبئة شاملة لأجهزة الامن مما يحيل على ان السلطات الفرنسية تدرك ان الغضب بلغ ذروته.
والحقيقة ان ما يحدث في الضفة الشمالية للمتوسط وتحديدا في فرنسا يجعلنا نتأمل هذه الظاهرة ونحاول فهمها بأدوات معرفية لتفكيكها.
فخروج الطلاب الفرنسيين إلى الشوارع، احتجاجاً على تدهور ظروف التعليم العمومي ونقص المدرّسين واكتظاظ الأقسام، لم يكن تحرّك مطلبيا جديدا في بلد اعتاد أن يجعل من الشارع امتداداً لساحته السياسية. فسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات دوافعها الأولى، واتسعت رقعتها لتلتقي مع غضب اجتماعي أوسع بشأن القدرة الشرائية والخدمات العامة وتكاليف الحياة، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز فرنسا إلى مجمل القارة العجوز: ماذا يحدث عندما تفقد الأجيال الشابة ثقتها في المؤسسات التي يُفترض أن تهيّئ لها شروط الاندماج والاستقرار والمستقبل؟
فمنذ أواخر سبتمبر الماضي أخذت التحركات الطلابية في فرنسا تتسع من محيط بعض المؤسسات التعليمية إلى مدن ومناطق مختلفة، قبل أن تتقاطع مع تحركات نقابية واجتماعية أوسع. وفي 17 أكتوبر الجاري شهدت البلاد تعبئة واسعة تخللتها مواجهات وأعمال تخريب ونهب، بالتزامن مع احتجاجات على غلاء المعيشة في بلدان أوروبية أخرى، من بينها إيطاليا وبلجيكا والبرتغال. وهكذا، تحوّل الخريف إلى لحظة كاشفة لتراكم توترات لم تعد محصورة في قطاع أو فئة اجتماعية بعينها حسب ما ذهبت اليه جريدة لومند الفرنسية
لكنّ أهمية هذا المشهد لا تكمن في عدد المتظاهرين وحده، ولا في الصور المتداولة للمواجهات، بل في دلالاته الاجتماعية العميقة: لماذا يتصدر الطلاب هذا الحراك؟ وكيف تتحول مشكلات المدرسة إلى تعبير عن أزمة أوسع؟ وما الذي يجعل الاحتجاج ينتقل من المطالبة بتحسين الخدمات إلى التشكيك في قدرة المنظومة الاجتماعية والسياسية على الاستجابة للانتظارات؟
وهل نحتاج الى استدعاء عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو لفهم ما يحدث .
ففي القراءة السوسيولوجية، لا يُنظر إلى الطالب باعتباره مجرد متلقٍّ للمعرفة أو فرد يستعد للانتقال من المدرسة إلى سوق العمل، بل باعتباره فاعلاً اجتماعياً يتشكّل وعيه من خلال تجربته اليومية داخل المؤسسات، ومن خلال تصوّره لمكانته في المجتمع والفرص المتاحة أمامه.
ومن هذا المنطلق، تكتسب احتجاجات الطلاب الفرنسيين دلالة تتجاوز مطالبهم المباشرة. فالاعتراض على غياب المدرّسين، وتردّي البنية التحتية لبعض المؤسسات، واكتظاظ الأقسام، لا يتعلق فقط بظروف الدراسة، وإنما يمسّ أيضاً الثقة في المدرسة باعتبارها إحدى أهم مؤسسات تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي.
فحين يُطلب من الطالب أن يجتهد ويستثمر سنوات من عمره في التعليم، بينما يواجه داخل المؤسسة نفسها نقصاً في الموارد وتفاوتاً في جودة التكوين، ينشأ تناقض بين الخطاب الذي يربط النجاح بالاجتهاد الفردي والواقع الذي يضع أمام بعض الفئات عوائق لا تتحكم فيها.
وتزداد حدة هذا التناقض عندما يدرك الشباب أن الحصول على شهادة لا يضمن بالضرورة وظيفة مستقرة، وأن الاندماج المهني لا يفضي تلقائياً إلى الاستقلال الاقتصادي، وأن تكاليف السكن والحياة قد تجعل الانتقال إلى مرحلة الرشد أكثر صعوبة مما كان متوقعاً.
وهنا لا يعود الغضب مرتبطاً بواقعة محددة، بل يتغذى من تراكم تجارب الإحباط والشعور بأن المستقبل الذي يُقدَّم للشباب بوصفه نتيجة طبيعية للتعليم والعمل والاجتهاد لم يعد مضموناً بالقدر نفسه للجميع.
ولا يعني ذلك أن جميع الطلاب يتحركون انطلاقاً من الوعي نفسه أو يحملون تصوراً موحداً لمطالبهم؛ فالتحركات الطلابية تضم فئات مختلفة، تتباين ظروفها الاجتماعية وتطلعاتها السياسية. لكنّ ما يجمع قطاعات منها هو الرغبة في أن تُؤخذ تجربتها اليومية على محمل الجد، وألا تتحول المطالب المتعلقة بالتعليم إلى مجرد أرقام في ميزانيات لا يشعر المتضررون بأثرها المباشر.
وهنا علينا ان ندرك ان فهم الاحتجاجات الفرنسية لا يكون بمعزل عن معرفة الموقع الذي تحتله المدرسة العمومية في المخيال الاجتماعي الفرنسي. فقد ارتبط التعليم، تاريخياً، بفكرة الجمهورية والمواطنة وتكافؤ الفرص، وباعتباره أداة تتيح للفرد تحسين موقعه الاجتماعي بصرف النظر عن خلفيته العائلية. وقد كان بيار بورديو من اهم علماء الاجتماع الذين اشتغلوا على المدرسة وفككوا دورها ومكانتها في المجتمع الفرنسي. .
غير أن هذه الوظيفة تواجه اختباراً متزايداً عندما تتفاوت ظروف الدراسة بين المؤسسات والمناطق، أو عندما تصبح جودة التكوين مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالقدرة الاقتصادية للأسرة على توفير الدروس الإضافية أو اختيار مؤسسات بديلة أو تأمين ظروف أفضل للتعلّم.
وفي هذه الحالة، لا تقتصر المشكلة على نقص الموارد، بل تتصل بما يمكن تسميته التفاوت في فرص المستقبل. فالطالب الذي يتلقى تعليماً جيداً ويجد من يرافقه في مساره الدراسي لا ينطلق بالضرورة من النقطة نفسها التي ينطلق منها طالب يواجه نقص المدرّسين وضعف التجهيزات وغياب الدعم.
وتزداد حساسية هذا التفاوت عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تقع في مناطق تعاني أصلاً صعوبات اقتصادية واجتماعية. فالشعور بالتهميش لا ينتج فقط من الحرمان المادي، بل أيضاً من المقارنة اليومية مع فئات أخرى تبدو أكثر قدرة على الوصول إلى الموارد والفرص.
ومن ثم، فإن الاحتجاج على وضع المدرسة العمومية قد يكون، في أحد أبعاده، احتجاجاً على الطريقة التي يعاد بها إنتاج التفاوت الاجتماعي داخل مؤسسة يُفترض أنها تحدّ منه.
والمفارقة أن المدرسة، التي يُنتظر منها أن تؤسس الثقة في المجتمع وتمنح الشباب الأدوات اللازمة لبناء مستقبلهم، يمكن أن تتحول، عندما تتراجع قدرتها على أداء هذه الوظيفة، إلى فضاء تظهر داخله التناقضات الاجتماعية بوضوح أكبر.
