عن مواصلة دعم الشركات الأهلية نتحدّث..
شارك هذا المقال
في إطار تواصل الجهود الوطنية من أجل دعم الأمن الغذائي و تطوير المنظومات الفلاحية وضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 أعلن وزير الفلاحة عزالدين بالشيخ أن برنامج وزارته للسنة المقبلة يتضمن إعداد القائمة الثانية للعقارات الدولية الفلاحية المقترحة للتسويغ لفائدة الشركات الأهلية مع الشروع في استغلال المنصات الرقمية الخاصة بالقطاع ورقمنة الخدمات الاستثمارية و تكثيف عمليات التكوين والتأطير الموجهة للفلاحين، والباعثين الشبان، والمرأة الريفية.
ومعلوم أن الدولة كانت قد اتخذت القرار بأن تعود الأرض الفلاحية المملوكة لها إلى من يريد أن يعمل فيها بصيغة الكراء أو التسويغ، وكانت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري قد كشفت في جويلية الماضي أن هذا التوجه خرج من دائرة الشعار إلى دائرة التطبيق حيث أعلنت عن إعداد القائمة الأولى للضيعات الدولية المقترحة للكراء لفائدة الشركات الأهلية وضمّت القائمة 38 ضيعة موزعة على 10 ولايات و24 معتمدية، على مساحة تقارب 17 ألف هكتار وكان الأساس القانوني للعملية قرار مشترك بين وزيري أملاك الدولة والفلاحة صدر في 4 نوفمبر 2025، وضبط شروط وإجراءات منح الشركات الأهلية الأولوية في كراء هذه العقارات، وتتولى اللجنة المشتركة، التي تضم ممثلين عن الفلاحة وأملاك الدولة والتشغيل والتكوين المهني، دراسة ما يمكن إدراجه. ولم تتوقف اللجنة عند القائمة الأولى، فقد شرعت في اعداد القائمة الثانية، ومنها عقارات مسترجعة وشاغرة بمعتمدية العامرة من ولاية صفاقس.
وقد تم الإعلان عن إعداد القائمة الثانية للعقارات الدولية الفلاحية المقترحة للتسويغ لفائدة الشركات الأهلية، إلى جانب استغلال المنصات الرقمية الخاصة بالقطاع ورقمنة الخدمات الاستثمارية، وتكثيف التكوين والتأطير لفائدة الفلاحين والباعثين الشبان والمرأة الريفية.
وللتذكير، فإن الشركات الأهلية تعدّ أنموذجا إقتصاديا جديدا أُحدث بمقتضى مرسوم صدر سنة 2022. وهي شركات يؤسسها المواطنون على المستوى المحلي والجهوي، وتقوم فكرتها على أن يشتغل أبناء الجهة بأنفسهم على ثرواتها ويتقاسموا ثمارها وقد برزت الفلاحة منذ البداية مجالا مفضلا لها، إلى جانب عديد المشاريع ذات الصبغة الخدمية والحرفية.
ومن أمثلة ذلك ما أُعلن في منوبة من إجراءات لبعث شركة أهلية للفلاحة المندمجة تتطلب نحو 500 هكتار، وتجمع بين الأشجار المثمرة والزراعات الكبرى والعلفية وتربية الماشية والتحويل الأولي وتقطير النباتات العطرية وهو ما يجعل من المشروع يتجاوز الزراعة البسيطة إلى سلسلة قيمة متكاملة تخلق مواطن شغل متنوعة.
وتقوم الدولة بمرافقة هذه الشركات من خلال خطوط التمويل عن طريق البنك التونسي للتضامن، وبشروط ميسرة يصل سقفها إلى 300 ألف دينار، وفترة سداد تمتد على سبع سنوات مع مهلة سنة، وفائدة سنوية في حدود 5 بالمائة، وهي نسبة أقل بكثير من القروض التجارية، كما تتوفر امتيازات أخرى، منها الأولوية في كراء العقارات الدولية، وإجراءات تفاضلية في التفويت في العقارات غير الفلاحية، ودعم التكوين والتأطير.
وإذا كان النشاط فلاحيا، فإن الاهتمام الرسمي أكبر، لأن القطاع مرتبط بالسيادة الغذائية و لأن العناصر الأساسية التي تؤسس لنجاحه متوفرة من خلال الإرادة السياسية المعلنة، والإطار القانوني الواضح، والتمويل الميسًر، والأراضي الجاهزة، وبرامج الرقمنة التي تبسّط الإجراءات، كلها عوامل تجعل من حظوظ نجاح هذه المشاريع مشجعة شرط سرعة تسليم الأراضي وجودة اختيار المشاريع، وتوفر الماء والمعدات والتسويق، ومتابعة الأداء.
وهذه إجراءات قابلة للتنفيذ إذا ما واصلت الدولة دعم صغار الفلاحين و منحهم الأراضي الدولية بصيغ الكراء أو التسويغ ، وإيجاد الحلول لإشكاليات ظهرت في تجارب سابقة في استغلال هذه الأراضي، على غرار الديون وإهمال بعض الضيعات وهي تحدّيات وجب تجنّبها حتى تصبح الرسالة أكثر وضوحا وهي أن الأرض ليست رصيدا جامدا، بل ثروة تُستثمر بالعمل، وإذا ما تحوّلت الهكتارات السبعة عشر ألفا الأولى، وما سيأتي بعدها، إلى حقول مثمرة ومشاريع يديرها أبناء الجهات، فستكون بلادنا قد خطت خطوة عملاقة في تنمية الداخل وتأمين الغذاء وصناعة فرص عمل لأبنائها.
