المجلة الثقافية المستقلّة «الاحساس»، مولود ثقافي جديد من أجل حضور أوسع للفن المعاصر: قريبون لكن بعيدون، ما الذي يجمعنا، وما الذي يفرّقنا؟
في زمن الرقميات يصدر العدد الأوّل من المجلة الورقيّة ” الاحساس” المخصصة للفنون والثقافة من تونس إلى شمال افريقيا، ببادرة من فاتن فلاح رئيسة التحرير، بمادة دسمة من المقالات بلغتين: الأنقليزية والعربية، عن الفن المعاصر بكلّ أشكاله، الذّي يبدو أنّه قد وجد منصة تليق به، في ساحة فنية ” مضطربة، تتحرّك بين الابتكار والمقاومة”، كما نقرأ في الافتتاحيّة.
وتضيف الافتتاحيّة أنّ الفنّانين والمبدعين يسعون إلى ” ابتكار أشكال جديدة، لا للتعبير عن أنفسهم فقط، بل لمواجهة ثقل القيود الاجتماعية، الصمت السياسي، والواقع اليومي. أعمالهم هشة وغالبا ما يساء فهمها، لكنّها تحمل إصرارا على أن تتكلّم بشروطها الخاصة”.
ثمّة مشكلة تتكرّر باستمرار: ” المواهب موجودة بوفرة، لكن الاعتراف بها نادر. المدن غارقة في محتوى جماهيري سريع الزوال، بينما يظل الوصول إلى المعرفة مجزّءًا”. لذلك تعمل المجلة على ملء هذا الفراغ وعلى اخراج الفنّ المعاصر من عزلته: ” أولئك الذين يخاطرون بالظهور خارج ظل الفضاء الرقمي يذّكروننا بالمسؤولية الأولى للفنّ: الحضور. في هذا الحضور ينفتح حوار بين العمل الفنّي ومجتمعه، حوار دقيق يتّسم بالتساؤل والترّدد والثقة.
لذلك، ” تضع المجلّة نفسها داخل هذا الحوار. وُلدت من شغف ومن ضرورة أيضا. وتهدف إلى توثيق ودعم وتضخيم الحراك الفنّي في شمال افريقيا. وهي تفعل ذلك بوعي كامل بالعقبات من بيروقراطية ورقابة وإرهاق، لكنّها تؤمن بالقوّة والقدرة على الصمود التّي لا تزال تشكّل هذا المجال”.
ضمن مواد العدد الأوّل من الاحساس نقرأ مقالا لشيماء العبيدي بعنوان ” الجسد الراقص وكتابة المدينة في تجربة سلمى وسفيان ويسي”. وهي تجربة “لا يمكن قراءتها بمعزل عن الاشكاليات الكبرى التي شغلت الفكر المعاصر” الحق في المدينة” كما صاغه هنري لوفافر( 1968)، أطروحات جون هاوكينز وريتشارد فلوريدا حول الصناعات الابداعية واقتصاديات المعرفة، وكذلك نقاشات جان بول سارتر حول الفن الملتزم، وأعمال نستور غارسيا كانكليني حول المواطنة الثقافيّة، بذلك تصبح تجربة سلمى وسفيان ويسي مرآة لصراع عالمي حول معنى الفن في زمن تتنازع فيه قوى السوق، رهانات الهوية، ومتطلّبات الديمقراطية.”
وتشير شيماء العبيدي إلى أنّ تجربة سلمى وسفيان ويسي انطلقت من “الرقص المعاصر، وهو مجال يرتكز على البحث في الجسد بوصفه أداة تعبيرية وجمالية. لكن تحوّلهما لاحقا نحو تأسيس جمعية” الشارع فن” ( 2007) يعكس انتقالا من إيمانهما بالفن كفعل فردي إلى الفن ك” بنية مؤسسيّة” جماعية. يوازي هذا التحوّل جدلا فلسفيّا قديما جديدا حول وظيفة الفن: هل هو نشاط مستقل بذاته، أم ممارسة متورّطة في الواقع الاجتماعي والسياسي؟”.
كما نقرأ لنفس الكاتبة مقالا بعنوان ” طارق ابو الفتوح مهندسا للزمن والذاكرة”، القيّم الفنّي الذي رسّخ منذ مطلع الألفيّة مسارا فريدا يعيد تعريف وظيفة القيّم الفني وبات مفكّرا مهندسا للمعنى، ومنشئا لتجارب حسيّة تتجاوز الترتيب الجمالي نحو صياغة فضاءات للجدل وإعادة التفكير في مفاهيم الزمن، الهويّة، والذاكرة”. وأبو الفتوح درس الهندسة المعمارية بالقاهرة ثم تحوّل إلى مؤسس لمشاريع فنية وقيّما على معارض في الاسكندرية والقاهرة ( يحدث في الكاراج، شبابيك) وبرلين وبيكين( ” الأسير العاشق” عن كتابات جون جنيه عن المقاومة الفلسطينيّة): ” لم يكن المعرض عنده حدثا ظرفيا أو هدفا في حدّ ذاته، بل مختبرا لتفكيك الزمن والتاريخ، ولمساءلة علاقة الفن بالسياسة والحسّ”.
ولشيماء أيضا مقال عن ” سنية قلال: الفنانة الباحثة في الذاكرة والمجتمع”، أحد أبرز الوجوه في المشهد الفني التونسي والعربي المعاصر التي بنت مسارا ابداعيا يمتدّ على أكثر من عقدين من الزمن، واضعة نصب عينيها مهمة أساسيّة: إعادة صياغة الذاكرة الجماعية، والتعامل مع الفنون لا باعتبارها إنتاجا جماليّا فقط، بل كمساحة حية تتقاطع فيها الأخلاقيات والسياسة والجماليات. ولعل ما يميّزها أنّها لا تفصل بين هذه الأبعاد، بل تنسجها في مشروع واحد يجعل من الفن مختبرا للذاكرة ولإعادة التفكير في الهويّة”.
ونقرأ لفرح صيام مقالا عن فاطمة الكيلاني وفضاء ” لابوات” بعنوان ” لابوات مجموعة خرائط للقاءات”، عن البصمة الفريدة التي تركتها حيثما حلّت، في تونس العاصمة وكذلك في جهات أخرى مثل جربة وقابس وعن الفضاء الذي انبعث منذ 2007 داخل قاعة اجتماعات في شركة لا تتجاوز مساحتها خمسا وعشرين مترا مربّعا. لكن، وكما تذكر فاطمة الكيلاني، لم يكن الأمر يتعلّق بمجرّد غرفة. كان يتعلّق بخلق فضاء منفتح، صندوق بالمعنى الحرفي للكلمة، يمكن من خلاله أن ينبثق شيء غير متوقع، يتمثّل في حوار”.
ونقرأ مقالا عن نادية الكعبي لينك الفنانة التونسية الأوكرانية التي تجمع ” الآثار والمخلّفات: آثار الصدمات، مخلّفات الرقابة، مخلفات الحرب وآثار الصمت. آثار تقاوم الظهور. تجعل أعمالها مسكونة بما تسميّه هي بـ”اللامرئي وممارستها هي محاولة مستمرّة في إبراز كلّ ما هو مخفي بنعمومة وحسم”.
ومن ضمن المواد مقال لنور بالشيخ بعنوان ” داخل الخروج” عن الفنان التونسي ثامر الماجري الذي يرى أنّ عملية الخلق الفني تبدأ من ” اختلال، من حادث غير متوقع. حتّى حين تضع الخطوط العريضة وتفرض على نفسك قيودا، لا تعرف أبدا أين تصل. إنّها رحلة نحو المجهول.”
وأيضا مقال لآمنة الاخوة عن ” زتش” التي ترسم فخاخا بصرية تضعها بين ما يعتقد المشاهد أنّه يفهمه وبين ما يخير أن لا يواجهه. وهي لا ترغب في تقديم رسالة مختومة ومغلقة كهدية حاضرة للمتلقي الذي ليس لديه خيار إلا أن يقبلها كما هي.
كما نجد ضمن العدد مواد أخرى من بينها مقال بعنوان ” الذاكرة والهجرة والعين الشريرة: تأملات صفيّة في الشتات” عن تجربة الفنانة التشكيلية المغربية صفية.
وفي باب مقالات نقدية معبرة” نقرأ للفلسطينية داليا يعقوب مقالا بعنوان ” بين الذهاب والاياب” عن إقامتها بتونس، وللفرنسية من أصول جزائريّة لين س ك وللمغربية شامة الطاهيري إفورا.
وتصدر مجلّة الاحساس، بطبعتها وأخراجها الأنيقين، ورقيّا، كي تسدّ فراغا هائلا في مشهد ثقافي غُيّب فيه النقد الرصين العميق ولا يزال يتردّد في قبول الفن المعاصر بكلّ تعبيراته. وبذلك تغامر فاتن الفلاح بإصرار وشغف من يؤمن أنّ على الفنّ أن يكون حاضرا أكثر بأسئلته ومقترحاته في زمن متهافت يحبذّ أن يحصره في الترفيه والاستهلاك السريع.
مسرحية”09″ لمعز القديري في عرضين متتاليين في قاعة الرّيو بالعاصمة: حين يتحوّل المسرح إلى غرفة تحليل نفسي
تم عرض مسرحية ا09ب للمخرج التونسي معزّ القديري امس الخميس كما تعرض…



