2026-03-29

سينما عربية بصوت نسائي تطرق أبواب «نظرة ما» في كان 2026 رهانات جمالية وإنسانية من الهامش إلى المركز

تتجه‭ ‬الأنظار،‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الدورة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬كان‭ ‬السينمائي،‭ ‬إلى‭ ‬قسم‭ ‬زنظرة‭ ‬ماس‭ ‬الذي‭ ‬ظلّ،‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه‭ ‬سنة‭ ‬1978،‭ ‬مختبرًا‭ ‬موازياً‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الأصوات‭ ‬الجديدة‭ ‬والرهانات‭ ‬الجمالية‭ ‬الخارجة‭ ‬عن‭ ‬السائد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬ثلاثة‭ ‬أفلام‭ ‬عربية‭ ‬لمخرجات‭ ‬ينتمين‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬متنوع‭ ‬التجارب،‭ ‬يُتوقّع‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬حضورًا‭ ‬لافتًا‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يراهن‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬على‭ ‬السينما‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬وعلى‭ ‬المقاربات‭ ‬السردية‭ ‬المختلفة‭.‬

ما‭ ‬يلفت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاختيارات‭ ‬المحتملة‭ ‬هو‭ ‬الطابع‭ ‬النسوي‭ ‬الصريح،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التوقيع‭ ‬الإخراجي،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الموضوعات‭ ‬المطروحة‭. ‬فهذه‭ ‬الأفلام‭ ‬الثلاثة‭ ‬تلتقي‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬قاسية،‭ ‬حيث‭ ‬تتحوّل‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬للحكي‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬زاويتها‭ ‬الخاصة‭.‬

زالمحطةس‭: ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬اختبارًا‭ ‬للعلاقات‭ ‬الإنسانية

في‭ ‬فيلم‭ ‬زالمحطةس،‭ ‬تخوض‭ ‬المخرجة‭ ‬اليمنية‭ ‬سارة‭ ‬إسحاق‭ ‬تجربتها‭ ‬الروائية‭ ‬الطويلة‭ ‬الأولى‭ ‬بعد‭ ‬مسار‭ ‬تطويري‭ ‬امتد‭ ‬لسنوات،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬رهانا‭ ‬فنيا‭ ‬واضحا‭ ‬على‭ ‬النضج‭ ‬والتأنّي‭. ‬تدور‭ ‬أحداث‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬مغلق‭ ‬ومشحون‭ ‬داخل‭ ‬محطة‭ ‬وقود‭ ‬مخصصة‭ ‬للنساء‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تعصف‭ ‬بها‭ ‬الحرب‭.‬

تُدير‭ ‬زليالس‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الهش،‭ ‬حيث‭ ‬تتشابك‭ ‬علاقات‭ ‬الأخوة‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬النضج‭ ‬والهوية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬رغبة‭ ‬أخيها‭ ‬الصغير‭ ‬في‭ ‬زالتحول‭ ‬إلى‭ ‬رجلس‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬عنيف‭ ‬يفرض‭ ‬تعريفاته‭ ‬القاسية‭ ‬للرجولة‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الفيلم‭ ‬كثافته‭ ‬الدرامية‭ ‬هو‭ ‬عودة‭ ‬الأخت‭ ‬الغائبة،‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الهش‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬أخلاقي‭ ‬وإنساني‭ ‬معقّد‭.‬

الفيلم،‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بسرد‭ ‬حكاية‭ ‬بقاء،‭ ‬بل‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬عميقًا‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التفكك،‭ ‬وحول‭ ‬الطفولة‭ ‬المهددة‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬النزاع‭.‬

زقطار‭ ‬الشرق‭ ‬البطيءس‭: ‬المنفى‭ ‬كجحيم‭ ‬داخلي

أما‭ ‬المخرجة‭ ‬الفلسطينية‭ “‬مها‭ ‬حاج‭”‬،‭ ‬فتواصل‭ ‬اشتغالها‭ ‬على‭ ‬العوالم‭ ‬الداخلية‭ ‬لشخصياتها،‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬زقطار‭ ‬الشرق‭ ‬البطيءس،‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬امتدادًا‭ ‬لتيماتها‭ ‬السابقة،‭ ‬لكن‭ ‬بنضج‭ ‬أكثر‭ ‬قتامة‭.‬

بطل‭ ‬الفيلم،‭ ‬زيزنس،‭ ‬مخرج‭ ‬شاب‭ ‬يعيش‭ ‬تجربة‭ ‬إقامة‭ ‬فنية‭ ‬في‭ ‬باريس،‭ ‬لكنه‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬غارقًا‭ ‬في‭ ‬حزن‭ ‬عميق‭ ‬بعد‭ ‬فقدان‭ ‬جدته،‭ ‬ومثقلًا‭ ‬بشعور‭ ‬الذنب‭ ‬المرتبط‭ ‬بالنجاة‭. ‬هنا،‭ ‬يتحول‭ ‬المنفى‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬إلى‭ ‬عبء،‭ ‬ومن‭ ‬فضاء‭ ‬للتحقق‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬للانكسار‭ ‬الداخلي‭.‬

يرواح‭ ‬الفيلم،‭ ‬في‭ ‬بنيته،‭ ‬بين‭ ‬الكوميديا‭ ‬السوداء‭ ‬والتأمل‭ ‬الوجودي،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬لقاء‭ ‬قراءة‭ ‬السيناريو‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬فوضوية‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الفنانين‭ ‬أنفسهم‭. ‬إنه‭ ‬عمل‭ ‬عن‭ ‬العجز‭ ‬الإبداعي،‭ ‬وعن‭ ‬تلك‭ ‬المسافة‭ ‬المؤلمة‭ ‬بين‭ ‬الحلم‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيقه‭.‬

زالأكثر‭ ‬حلاوةس‭: ‬حين‭ ‬ينقلب‭ ‬الحلم‭ ‬إلى‭ ‬استغلال

وتعود‭ ‬المخرجة‭ ‬المغربية‭ “‬ليلى‭ ‬مراكشي‭” ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬زالأكثر‭ ‬حلاوةس،‭ ‬إلى‭ ‬زنظرة‭ ‬ماس‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬لتقدم‭ ‬عملاً‭ ‬يشتبك‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬الهجرة‭ ‬والعمل‭ ‬الموسمي‭.‬

تسرد‭ ‬الحكاية‭ ‬رحلة‭ ‬زحسناءس،‭ ‬التي‭ ‬تغادر‭ ‬المغرب‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬الفراولة‭ ‬بإسبانيا،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بحلم‭ ‬تحسين‭ ‬وضع‭ ‬عائلتها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬كابوس‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬وسوء‭ ‬المعاملة‭ ‬والظروف‭ ‬اللاإنسانية‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الفيلم‭ ‬بعده‭ ‬السياسي‭ ‬هو‭ ‬انتقال‭ ‬البطلة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬المقاومة،‭ ‬حين‭ ‬تقرر،‭ ‬رفقة‭ ‬عاملات‭ ‬أخريات،‭ ‬كسر‭ ‬الصمت‭ ‬وخوض‭ ‬معركة‭ ‬قانونية‭ ‬ضد‭ ‬مستغليهن‭. ‬هنا،‭ ‬يتحول‭ ‬الجسد‭ ‬الأنثوي‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬للاستغلال‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للمواجهة‭.‬

زنظرة‭ ‬ماس‭: ‬مختبر‭ ‬الاختلاف‭ ‬السينمائي

تكشف‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬الثلاثة‭ ‬عن‭ ‬تحوّل‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬حضور‭ ‬رمزي،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬حاملة‭ ‬لأسئلة‭ ‬كونية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الجغرافيا‭.‬

كما‭ ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬الاختيارات‭ ‬المحتملة‭ ‬توجّه‭ ‬زنظرة‭ ‬ماس‭ ‬نحو‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالسينما‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬على‭ ‬الهوامش‭: ‬الهامش‭ ‬الجغرافي،‭ ‬والهامش‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والهامش‭ ‬النفسي‭. ‬وهي‭ ‬هوامش‭ ‬تتحول،‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال،‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬دلالية‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬العالم‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

عن الجدل الذي أعادته وفاة الفيلسوف الألماني الكبير “يورغن هابرماس”: عودة إلى مواقف الفلاسفة الغربيين من الصراع الفلسطيني الصهيوني

أثار‭ ‬الإعلان‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬عن‭ ‬وفاة‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭ (…