2026-03-31

الرواية العربية بوصفها نبوءة وجهاز انذار: من “مدن الملح” إلى “حكاية العربي الأخير”

تكشف‭ ‬الرواية‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬تجاربها‭ ‬الحديثة،‭ ‬عن‭ ‬نزوع‭ ‬واضح‭ ‬نحو‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬أفقًا‭ ‬للترقّي،‭ ‬بل‭ ‬كمسار‭ ‬متسارع‭ ‬نحو‭ ‬الانهيار‭. ‬وهذا‭ ‬الأفق‭ ‬القاتم‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬يتأسس‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬عميقة‭ ‬لاختلالات‭ ‬الواقع‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والثقافي‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬تبلور‭ ‬هذا‭ ‬الوعي،‭ ‬تبرز‭ ‬رواية‭ “‬حكاية‭ ‬العربي‭ ‬الأخير‭” ‬للكاتب‭ ‬الجزائري‭ ‬واسيني‭ ‬الأعرج،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭  ‬اصفارة‭ ‬إنذارب‭ ‬مبكرة‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬إليه‭ ‬أوضاع‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭.‬

لا‭ ‬يكتفي‭ ‬واسيني‭ ‬الأعرج‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرّواية‭ ‬بتصوير‭ ‬واقع‭ ‬مأزوم،‭ ‬بل‭ ‬يذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬عالم‭ ‬تخييلي‭ ‬مشبع‭ ‬بالفنتازيا‭ ‬السوداء،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الهيمنة‭ ‬الخارجية‭ ‬مع‭ ‬التفكك‭ ‬الداخلي‭. ‬فالقوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬كما‭ ‬يرد‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬تمارس‭ ‬اسياسة‭ ‬المطرقةب‭ ‬لتفكيك‭ ‬الكيانات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تعيش‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الجمود‭ ‬والتبلد،‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬صراعاتها‭ ‬القبلية‭ ‬والطائفية‭. ‬وهذا‭ ‬التواطؤ‭ ‬بين‭ ‬الخارج‭ ‬والداخل‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬نتيجة‭ ‬شبه‭ ‬حتمية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬احتمال

من‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭: ‬حين‭ ‬تتحقق‭ ‬النبوءة

تكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬أهميتها‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬تخييل‭ ‬أدبي،‭ ‬بل‭ ‬باتت،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التحولات‭ ‬الراهنة،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭. ‬فمشهد‭ ‬االعربي‭ ‬الأخيرب‭ ‬الذي‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬الدمار‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬وسط‭ ‬فوضى‭ ‬الاقتتال،‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬استعارة‭ ‬مكثفة‭ ‬لما‭ ‬شهدته‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬أهلية‭ ‬وانهيارات‭ ‬سياسية‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭. ‬و‭ ‬الرواية‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تتنبأ‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬مسارات‭ ‬كامنة،‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكل

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬الاستشرافي‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ “‬واسيني‭ ‬الأعرج‭”‬،‭ ‬بل‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬السواد‭ ‬أفقًا‭ ‬سرديًا‭. ‬لعلّ‭ ‬أشهرها‭ ‬خماسية‭ ‬مدن‭ ‬الملح‭ ‬أين‭  ‬قدّم‭ ‬الراحل‭” ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬منيف‭” ‬قراءة‭ ‬مبكرة‭ ‬لتحولات‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الإنسان‭ ‬والمكان،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الهوية‭ ‬والتوازن‭.‬

القمع‭ ‬بوصفه‭ ‬قدرًا

ويبلغ‭ ‬هذا‭ ‬السواد‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬الشهيرة‭ “‬شرق‭ ‬المتوسّط‭” ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬السجن‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬مكثفة‭ ‬للوطن،‭ ‬ويغدو‭ ‬التعذيب‭ ‬لغة‭ ‬يومية‭ ‬للسلطة‭. ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬المستقبل‭ ‬ممكنًا،‭ ‬لأن‭ ‬الحاضر‭ ‬نفسه‭ ‬مغلق،‭ ‬محكوم‭ ‬بمنطق‭ ‬القمع‭ ‬والاستبداد‭.‬

ونجد‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬عند‭ ‬صنع‭ ‬الله‭ ‬إبراهيم‭ ‬في‭ ‬رواية‭ “‬اللّجنة‭”‬،‭ ‬حيث‭ ‬تتخذ‭ ‬البيروقراطية‭ ‬شكلًا‭ ‬عبثيًا‭ ‬خانقًا،‭ ‬يفرغ‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬معناه،‭ ‬ويحوّله‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬بلا‭ ‬إرادة‭. ‬و‭ ‬هذه‭ ‬الروايات،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬في‭ ‬أساليبها،‭ ‬تتقاطع‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬لعالم‭ ‬مسدود‭ ‬الأفق

الذاكرة‭ ‬والخراب

أما‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الراحل‭” ‬إلياس‭ ‬خوري‭”‬،‭ ‬خاصة‭ ‬باب‭ ‬الشمس،‭ ‬فإن‭ ‬السواد‭ ‬يتخذ‭ ‬شكلًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الذاكرة‭ ‬مع‭ ‬الفقد،‭ ‬ويتحوّل‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الانكسارات‭. ‬وهنا،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الخراب‭ ‬فقط‭ ‬نتيجة‭ ‬الحاضر،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬إرثًا‭ ‬متراكمًا‭ ‬يصعب‭ ‬تجاوزه‭..‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬السوري،‭ ‬يرسم‭ “‬خالد‭ ‬خليفة‭” ‬في‭ ‬روايته‭ ” ‬لا‭ ‬سكاكين‭ ‬في‭ ‬مطابخ‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭” ‬صورة‭ ‬لمجتمع‭ ‬يعيش‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الخوف،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬الصمت‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬للبقاء،‭ ‬ويغدو‭ ‬القمع‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬إنها‭ ‬عوالم‭ ‬روائية‭ ‬تتقاطع‭ ‬جميعها‭ ‬في‭ ‬الإحساس‭ ‬بأن‭ ‬المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬امتدادا‭  ‬للعتمة‭.‬

الرواية‭ ‬كجهاز‭ ‬إنذار

إن‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بوصف‭ ‬الخراب،‭ ‬بل‭ ‬تحاول‭ ‬فهم‭ ‬شروطه‭ ‬وإمكانياته‭. ‬فهي‭ ‬تشتغل‭ ‬كـاجهاز‭ ‬إنذارب‭ ‬ثقافي،‭ ‬يلتقط‭ ‬المؤشرات‭ ‬الخفية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬كوارث‭ ‬معلنة‭..‬

ولا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الروايات‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬التنبؤي،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مساءلة‭ ‬الذات‭ ‬العربية‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تلقي‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أعطاب‭ ‬داخلية‭ ‬عميقة‭: ‬من‭ ‬الانقسامات‭ ‬الطائفية‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬المشروع‭ ‬الحضاري،‭ ‬ومن‭ ‬الاستبداد‭ ‬إلى‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭.‬

أدب‭ ‬يكتب‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُقال

في‭ ‬النهاية،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الرواية‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬تجلياتها‭ ‬الأكثر‭ ‬سوداوية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬انعكاس‭ ‬لواقع‭ ‬مأزوم،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لفهمه‭ ‬واستباقه‭. ‬وبين‭ ‬أعمال‭ ‬واسيني‭ ‬الأعرج‭ ‬ونظرائه،‭ ‬يتشكل‭ ‬أرشيف‭ ‬سردي‭ ‬للخراب‭ ‬العربي،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬قدرًا‭ ‬محتومًا،‭ ‬بل‭ ‬كتحذير‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬الإصغاء‭ ‬إليه‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يظل‭ ‬مفتوحًا‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬الرواية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الاستشرافي،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الواقع،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬وتسارع،‭ ‬بات‭ ‬يسبق‭ ‬الخيال‭ ‬نفسه؟

‫شاهد أيضًا‬

سينما عربية بصوت نسائي تطرق أبواب «نظرة ما» في كان 2026 رهانات جمالية وإنسانية من الهامش إلى المركز

تتجه‭ ‬الأنظار،‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الدورة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬كان‭ ‬السينمائي،‭ …