البنايات المتداعية في تونس : قانون ينتظر المدينة
في المدن التي تحترم نفسها، لا تُترك الجدران لتتكلم وحدها. فالعمران ليس حجارةً صامتة، بل ذاكرة حيّة، وسقف أمان، ووجه مدينة تُعرّف أهلها قبل أن تُعرّف زوّارها. وحين تبدأ البنايات في التصدّع، لا يكون الخطر في الشقوق التي تظهر على الجدران فقط، بل في الشقوق التي تتسلل إلى علاقة الدولة بمواطنيها، وإلى صورة المدينة في أعين ساكنيها.
الاجتماع الذي أشرف عليه وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري، لمتابعة دفع استصدار النصوص التطبيقية للقانون المتعلّق بالبنايات المتداعية للسقوط، يضع اليد على ملف قديم جديد. قديم لأنه ظل لسنوات يتراكم بصمت، وجديد لأنه عاد اليوم إلى الواجهة تحت ضغط الواقع: أكثر من ألفي بناية مهددة، قرارات إخلاء معلّقة، ومواطنون يعيشون تحت أسقف لا يُعرف متى تسقط.
القانون عدد 33 لسنة 2024، في حد ذاته، ليس مجرد نص تشريعي. إنه محاولة لتنظيم الفوضى التي استوطنت بعض الأحياء، ولإعادة تعريف المسؤوليات بين المالكين والبلديات والسلطات المركزية. يتحدث عن التشخيص، وعن رفع الخطر، وعن التعويض، وعن إعادة التهيئة. أي أنه يحاول أن يُحوّل الأزمة من حالة ارتجال إلى مسار قانوني واضح.
لكن المشكلة، لا تبدأ عند سنّ القوانين، بل عند تطبيقها.
النصوص التطبيقية، تلك التي تُحوّل القانون من فكرة إلى واقع، لا تزال في طور الانتظار. وهنا يتكرر المشهد الذي أصبح مألوفاً في الإدارة التونسية: قانون يصدر، ثم يتأخر تنفيذه بسبب بطء الإجراءات، أو تعقّد المسارات، أو غياب التنسيق بين المتدخلين. وكأن الزمن الإداري يسير بسرعة مختلفة عن الزمن الاجتماعي الذي لا ينتظر.
في ملف البنايات المتداعية، لا مجال لهذا الترف. فالتأخير هنا لا يعني فقط تعطيل مشروع، بل يعني إبقاء عائلات تحت تهديد يومي. الشتاء الماضي قدّم إشارات واضحة، حين شهدت بعض المناطق، ومنها سيدي بوسعيد، حالات تداعٍ لبنايات قديمة، تحت وطأة الأمطار والعوامل الطبيعية. كانت تلك الحوادث تذكيراً عملياً بأن الخطر ليس نظرياً، بل واقعي ومباشر.
العمران، في جوهره، ليس مسألة جمالية فقط، رغم أهمية المظهر العام للمدينة. هو أولاً مسألة أمان. البيت الذي لا يحمي ساكنيه من المطر أو الحر أو الانهيار، يفقد معناه الأساسي. والدولة، حين تتحدث عن «سياسة اجتماعية»، لا يمكن أن تغفل عن هذا البعد: السكن اللائق كحق أساسي، لا كامتياز.
لكن المسألة لا تقف عند حدود السلامة الفردية. المدن أيضاً لها ذاكرة. في تونس، المدينة العربي العتيقة ليست مجرد أزقّة ضيقة ومبانٍ قديمة، بل هي جزء من الهوية الوطنية. كل باب خشبي، كل نافذة، كل جدار يحمل أثراً من التاريخ. وحين تتداعى هذه البنايات، لا نفقد حجارة فقط، بل نفقد جزءاً من سرديتنا الجماعية.
هنا تبرز معادلة صعبة: كيف نحافظ على الطابع التاريخي للعمران، وفي الوقت نفسه نضمن سلامته؟ كيف نُرمّم دون أن نُشوّه؟ وكيف نُجدّد دون أن نُفقد المكان روحه؟
القانون الجديد يحاول أن يقدّم بعض الإجابات، من خلال تنظيم عمليات الصيانة، وإقرار أولويات للكراء أو الشراء بعد الترميم، وإمكانية تعويض المتسوغين. لكن نجاح هذه الآليات يبقى رهين التنفيذ. فالورق، مهما كان محكماً، لا يحمي أحداً من سقوط سقف.
الوزير دعا إلى حسن التنسيق بين مختلف المتدخلين، وإلى برمجة دورات تكوينية لفائدة البلديات. وهي خطوات ضرورية، لأن البلديات تمثل الحلقة الأقرب إلى المواطن، وهي التي ستتعامل مباشرة مع هذه الملفات. لكن التنسيق، في حد ذاته، لا يكفي إذا لم يُترجم إلى قرارات سريعة وإجراءات ملموسة.
لقد أشار رئيس الجمهورية، في أكثر من مناسبة، إلى مشكلة البطء الإداري الذي يعرقل تنفيذ القوانين. وهي ملاحظة تجد صداها في هذا الملف. فالإشكال لم يعد في غياب النصوص، بل في بطء تفعيلها.
في المقابل، لا يمكن إغفال مسؤولية المالكين أيضاً. فالبناية، في نهاية المطاف، ملك خاص في كثير من الحالات، وصيانتها مسؤولية قانونية وأخلاقية. لكن حين تتداخل الملكيات، أو تغيب الإمكانيات، يصبح تدخل الدولة ضرورياً، ليس فقط كسلطة رقابية، بل كشريك في الحل.
السكن اللائق، في النهاية، ليس مجرد جدران وسقف. هو شعور بالأمان، واستقرار نفسي، وشرط من شروط الحياة الكريمة. والمدينة التي تُهمل عمرانها، تُهمل في الوقت نفسه جزءاً من إنسانيتها.
ربما يكون التحدي الأكبر اليوم ليس في تشخيص المشكلة، فقد أصبحت واضحة، بل في كسر حلقة التأجيل. فكل يوم تأخير يعني خطراً إضافياً، وكل اجتماع لا يُترجم إلى قرار يضيف طبقة جديدة من الانتظار.
القانون موجود. الأرقام مقلقة. والحوادث تذكّر. ما ينقص هو ذلك القرار البسيط والصعب في آن واحد: أن تتحرك الأمور بسرعة تليق بخطورة الوضع.
فالمدن، مثل البشر، لا تحتمل الانتظار طويلاً حين تبدأ جدرانها في التصدّع.
لأن الطاقة أصبحت سيادة تراخيص جديدة لمزيد دفع الإستثمار في الطاقات المتجددة
في زمن الاضطراب العالمي، لم تعد الطاقة مجرد مسألة تقنية تُعالج في مكاتب المختصين، بل أصبحت…
