الرواية العربية بوصفها نبوءة وجهاز انذار: من “مدن الملح” إلى “حكاية العربي الأخير”
تكشف الرواية العربية، في كثير من تجاربها الحديثة، عن نزوع واضح نحو استشراف المستقبل لا بوصفه أفقًا للترقّي، بل كمسار متسارع نحو الانهيار. وهذا الأفق القاتم لا يأتي من فراغ، بل يتأسس على قراءة عميقة لاختلالات الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن بين أبرز النماذج التي تبلور هذا الوعي، تبرز رواية “حكاية العربي الأخير” للكاتب الجزائري واسيني الأعرج، التي تمثل اصفارة إنذارب مبكرة لما يمكن أن تؤول إليه أوضاع المجتمعات العربية.
لا يكتفي واسيني الأعرج في هذه الرّواية بتصوير واقع مأزوم، بل يذهب أبعد من ذلك، نحو بناء عالم تخييلي مشبع بالفنتازيا السوداء، حيث تتقاطع الهيمنة الخارجية مع التفكك الداخلي. فالقوى الكبرى، كما يرد في النص، تمارس اسياسة المطرقةب لتفكيك الكيانات، في حين تعيش المجتمعات العربية حالة من الجمود والتبلد، غارقة في صراعاتها القبلية والطائفية. وهذا التواطؤ بين الخارج والداخل يجعل من الانهيار نتيجة شبه حتمية، لا مجرد احتمال
من الرواية إلى الواقع: حين تتحقق النبوءة
تكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها لم تعد مجرد تخييل أدبي، بل باتت، في ضوء التحولات الراهنة، أقرب إلى الواقع. فمشهد االعربي الأخيرب الذي ينتهي إلى الدمار في الصحراء، وسط فوضى الاقتتال، يبدو وكأنه استعارة مكثفة لما شهدته المنطقة من حروب أهلية وانهيارات سياسية خلال العقد الأخير. و الرواية هنا لا تتنبأ بقدر ما تكشف عن مسارات كامنة، كانت في طور التشكل
ولا يقتصر هذا المنحى الاستشرافي على أعمال “واسيني الأعرج”، بل نجده في عدد من الروايات العربية التي جعلت من السواد أفقًا سرديًا. لعلّ أشهرها خماسية مدن الملح أين قدّم الراحل” عبد الرحمن منيف” قراءة مبكرة لتحولات المجتمعات الخليجية، حيث يتحول النفط من نعمة إلى أداة لإعادة تشكيل الإنسان والمكان، في سياق يفضي إلى فقدان الهوية والتوازن.
القمع بوصفه قدرًا
ويبلغ هذا السواد ذروته في روايته الشهيرة “شرق المتوسّط” حيث يتحول السجن إلى صورة مكثفة للوطن، ويغدو التعذيب لغة يومية للسلطة. هنا، لا يعود المستقبل ممكنًا، لأن الحاضر نفسه مغلق، محكوم بمنطق القمع والاستبداد.
ونجد الأمر ذاته عند صنع الله إبراهيم في رواية “اللّجنة”، حيث تتخذ البيروقراطية شكلًا عبثيًا خانقًا، يفرغ الإنسان من معناه، ويحوّله إلى كائن بلا إرادة. و هذه الروايات، وإن اختلفت في أساليبها، تتقاطع في تقديم صورة لعالم مسدود الأفق
الذاكرة والخراب
أما في أعمال الراحل” إلياس خوري”، خاصة باب الشمس، فإن السواد يتخذ شكلًا مختلفًا، حيث تتداخل الذاكرة مع الفقد، ويتحوّل التاريخ إلى سلسلة من الانكسارات. وهنا، لا يكون الخراب فقط نتيجة الحاضر، بل أيضًا إرثًا متراكمًا يصعب تجاوزه..
وفي السياق السوري، يرسم “خالد خليفة” في روايته ” لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” صورة لمجتمع يعيش تحت وطأة الخوف، حيث يتحول الصمت إلى آلية للبقاء، ويغدو القمع جزءًا من الحياة اليومية. إنها عوالم روائية تتقاطع جميعها في الإحساس بأن المستقبل ليس سوى امتدادا للعتمة.
الرواية كجهاز إنذار
إن ما يجمع هذه الأعمال هو أنها لا تكتفي بوصف الخراب، بل تحاول فهم شروطه وإمكانياته. فهي تشتغل كـاجهاز إنذارب ثقافي، يلتقط المؤشرات الخفية قبل أن تتحول إلى كوارث معلنة..
ولا تكمن أهمية هذه الروايات فقط في بعدها التنبؤي، بل أيضًا في قدرتها على مساءلة الذات العربية. فهي لا تلقي بالمسؤولية على الخارج وحده، بل تكشف عن أعطاب داخلية عميقة: من الانقسامات الطائفية إلى غياب المشروع الحضاري، ومن الاستبداد إلى العجز عن إنتاج المعرفة.
أدب يكتب ما لا يُقال
في النهاية، يمكن القول إن الرواية العربية، في تجلياتها الأكثر سوداوية، لم تكن مجرد انعكاس لواقع مأزوم، بل محاولة لفهمه واستباقه. وبين أعمال واسيني الأعرج ونظرائه، يتشكل أرشيف سردي للخراب العربي، لا بوصفه قدرًا محتومًا، بل كتحذير كان يمكن الإصغاء إليه.
غير أن السؤال الذي يظل مفتوحًا: هل ما تزال الرواية قادرة على لعب هذا الدور الاستشرافي، أم أن الواقع، بما يحمله من عنف وتسارع، بات يسبق الخيال نفسه؟
سينما عربية بصوت نسائي تطرق أبواب «نظرة ما» في كان 2026 رهانات جمالية وإنسانية من الهامش إلى المركز
تتجه الأنظار، مع اقتراب موعد الدورة القادمة من مهرجان كان السينمائي، …
