2026-04-01

المرتفعات الغربية تلتحف برداء الثلج: حين يتحول الجمال الى محنة تثقل كاهل المنسيّين

ونحن نتابع تقلبات الطقس ونستبشر بتهاطل الامطار وامتلاء السدود وننتشى بجمال الرداء الثلجي الأبيض الذي يغطي  مرتفعاتنا الغربية ثمة مرارة  أخرى تتخفى خلف كل هذا.
فحين تتساقط الثلوج على المرتفعات الغربية لتونس، تتحوّل جبال جندوبة القصرين والكاف وسليانة إلى لوحات طبيعية آسرة، تخطف  الأنظار وتلفت انتباه  عدسات المصورين الذين يلتقطون صورا رائعة سرعان ما  تغزو مواقع التواصل الاجتماعي. لكن خلف هذا البياض الناصع، تختفي حكايات أخرى أقل جمالاً وأكثر قسوة… حكايات سكان يعيشون واقع مرا من التهميش امتد على عقود اسقطتهم الدولة تقريبا من دارة اهتمامها وتركتهم  ويواجهون وحدهم برد الطبيعة وقسوة العزلة.

كما الثلج في المرتفعات الغربية ليس فقط مشهدًا جماليًا، بل مرآة تعكس تفاوتًا تنمويًا صارخًا بين الجهات. وبينما يستمتع البعض بصوره من خلف الشاشات، يعيشه آخرون كواقع يومي مليء بالتحديات..

وهذا جراء  تركة ثقيلة خلفتها حكومات متعاقبة على امتداد عقود مما  جعل  من منحة المطر والثلوج التي يهبها الله  لبلادنا والتي ننتظرها بفارغ الصبر ، محنة مع الأسف إذ ترتبط بمكابدة صعبة خاصة لسكان الأرياف والمناطق النائية الذين تنقطع بهم السبل. .

فالثلج هنا ليس مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل امتحان سنوي يتجدد، يختبر قدرة الأهالي على الصمود. طرقات تُغلق، مسالك ريفية تنقطع، وقرى بأكملها تصبح معزولة لساعات، وأحيانًا لأيام. في تلك اللحظات، لا يعود الزمن يقاس بالساعات، بل بمدى توفّر الخبز، وكمية الحطب، وقدرة العائلات على الاحتماء من برد ينخر العظام. .

في هذه المناطق، حيث ترتفع نسب الفقر والبطالة، يتحول الشتاء إلى عبء ثقيل.   فأغلب  العائلات الريفية  تعيش في بيوت بسيطة   تفتقر الى كثير من  المستلزمات تتوفر على وسائل بدائية  للتدفئة لذلك يجد هؤلاء انفسهم في مواجهة مع قسوة  الظروف الطبيعية  وتبعاته من عزلة وغياب المواد الأساسية وغيرها.

أما التلاميذ، فهم من أكثر الفئات تضررًا. يقطعون مسافات طويلة سيرًا على الأقدام في ظروف عادية، فكيف إذا غطى الثلج الطرقات وفاضت الاودية وتكونت سيول   المياه وأصبحت المسالك الفلاحية بركا من الوحل .  هنا  كثير منهم يُجبر على التغيب عن الدراسة كما تتخذ لجان مجابهة الكوارث كما حدث مساء امس في بعض  مناطق الشمال الغربي.

و تتحول الأمطار والثلوج بالتالي  من نعمة منتظرة إلى عائق أمام حق التعليم وامام السير الطبيعي للحياة التي تتوقف عجلتها عن الدوران في هذه الربوع عند التغيرات المناخية الحادة. .

ويتبلغ المعاناة ذروتها بالنسبة الى مسألة الخدمات الصحية التي تصبح  صعبة المنال فالمريض الذي  يحتاج إلى دواء حيوي و  المرأة  التي على على وشك الوضع  كل  حالة استعجالية… كلها تتحول إلى سباق مع الزمن في ظل طرقات مغلقة وإمكانيات نقل محدودة.

والحقيقة ان في مثل هذه الظروف تكون الجهود التي تبذل من  وحدات

الحماية المدنية والجيش الوطني  كبيرة ومضنية  لفتح الطرقات وتقديم المساعدات. كما اننا لا نستطيع ان نتغافل عن مظاهر التضامن في مثل هذه الظروف والتي تحتاج الى تعزيز ودعم باستمرار.

والأكيد ان هناك مفارقة عجيبة لابد من وضع حد لها وهي ان  المناطق الغربية لبلادنا التي تزخر بكل مقومات  النهوض الاقتصادي الى جانب تحوزها على مناظر طبيعية خلابة تعيش أزمة تنموية مزمنة آن أوان إيجاد علاج جذري لها.

‫شاهد أيضًا‬

صدر أخيرا ” بائع التذاكر” للشهيد الفلسطيني وليد دقة : عندما يتحول صوت الأسير الى فعل مقاوم

صدر حديثًا عن دار الآداب في بيروت رواية  بائع التذاكر، للمبدع والمفكر  والأسير الفلسطيني ا…