جديد المسرح التونسي ” الإنسان الرابع” لتوفيق الجبالي: عودة الجسد الغائب لمواجهة سطوة “الذكاء الاصطناعي”
يشكّل العمل المسرحي الجديد االإنسان الرابعب للمخرج والمسرحي توفيق الجبالي والذي قدّم في ثلاثة عروض نهاية الأسبوع الماضي حدثًا لافتًا في المشهد الثقافي التونسي، ليس فقط لما يحمله من رهانات فكرية وجمالية، بل أيضًا لاقترانه بعودة الجبالي إلى التمثيل بعد سنوات من الانقطاع، حيث اكتفى خلالها بالإخراج والتأطير. ولا تبدو هذه العودة مجرّد حنين إلى الخشبة، بل فعلًا واعيًا باستعادة الجسد كأداة مقاومة، في زمن تتنازعه الشاشات وتعيد تشكيله وفق أنماط جاهزة ومقولبة
في االإنسان الرابعب، لا يعود الجبالي ممثّلًا فحسب، بل بوصفه كيانًا متشظيًا داخل عرض يشتغل على تفكيك الذات المعاصرة، تلك التي أصبحت موزّعة بين حضورها الفيزيائي وامتداداتها الرقمية. هنا، يصبح الجسد المسرحي ساحة صراع بين الإنسان الطبيعي ونظيره الافتراضي، بين العفوية والخوارزمية، بين الحرية والمراقبة
مسرح الطرافة السوداء: الضحك كآلية تفكيك
ولعلّ من أبرز ما ميّز هذا العمل الجديد هو تلك النبرة الساخرة التي تطبع العرض، حيث يزاوج الجبالي بين الطرافة والقلق الوجودي. فالضحك في االإنسان الرابعب ليس ترفًا، بل أداة تفكيك، يكشف من خلالها العرض عبثية العالم الرقمي الذي نحياه حيث شخصيات تتلعثم، تتكرّر، تتعطّل كما لو كانت تطبيقات، في مشاهد تذكّرنا بكوننا أصبحنا بدورنا نسخًا قابلة للاستنساخ
تلك الطرافة السوداء تمنح العرض خفّة ظاهرية تخفي عمقًا نقديًا لاذعًا. فالمسرحية لا تهاجم التكنولوجيا بشكل مباشر، بل تسائل طرق استهلاكنا لها، وكيف تحوّلت إلى أدوات تنميط تُفرغ الفرد من خصوصيته، وتعيد إنتاجه في قالب قابل للتوقّع والمراقبة
التجريب كخيار جمالي وفكري
يواصل الجبالي في هذا العمل تقاليده التجريبية التي ميّزت مسيرته، من خلال تفكيك السرد الكلاسيكي واعتماد بنية مفتوحة تتداخل فيها المشاهد، وتتقاطع الأزمنة، وتتشظّى الشخصيات. فالعرض لا يقدّم حكاية بقدر ما يقترح تجربة، حيث يجد المتفرّج نفسه داخل مختبر مسرحي يختبر فيه معنى أن يكون إنسانًا في زمن الذكاء الاصطناعي
وتتجلّى هذه النزعة التجريبية أيضًا في الاشتغال على الوسائط، حيث يحضر الفيديو، والصوت الرقمي، والمؤثرات البصرية، في تداخل مع الأداء الحيّ. وهذا التداخل لا يُستخدم كزينة، بل كجزء من الخطاب، ليعكس حالة التداخل بين الواقعي والافتراضي التي يعيشها الإنسان المعاصر
الإنسان في مواجهة الآلة: سؤال السيطرة
يطرح االإنسان الرابعب سؤالًا مركزيًا: من يتحكّم في من؟ هل ما زال الإنسان سيّد قراراته، أم أنّه أصبح مجرّد معطى داخل منظومة أكبر تديرها الخوارزميات؟ في هذا السياق، يستثمر العرض في رمزية االإنسان الرابعب بوصفه كائنًا جديدًا، لا هو الإنسان الطبيعي، ولا هو الآلة، بل كيان هجين يعيش في منطقة رمادية.
هذا الكائن يعاني من أشكال جديدة من العنف، لا تُمارس عليه بالسلاح، بل بالبيانات، بالتصنيف، بالتوجيه الخفي. فالعنف هنا ناعم، لكنه عميق الأثر، يطال الوعي والخيال، ويعيد تشكيل الرغبات والاختيارات.
.احتجاج جمالي ضد الرقابة والتجهيل
إلى جانب نقده للهيمنة الرقمية، يوجّه العرض احتجاجًا واضحًا ضد أشكال الرقابة الجديدة التي لم تعد تعتمد المنع المباشر، بل الإغراق والتشتيت. في عالم تفيض فيه المعلومات، يصبح التجهيل نتيجة فائض لا نقص، وتتحوّل الحقيقة إلى مجرّد خيار بين خيارات متعددة
ويتجلّى هذا البعد الاحتجاجي في جرأة الطرح، وفي كسر التابوهات، وفي اللعب على الحدود بين الجدّ والهزل، بين المعقول واللامعقول. لا يقدّم العرض إجابات، بل يفتح أسئلة مربكة، تدفع المتفرّج إلى إعادة التفكير في موقعه داخل هذا العالم المعقّد.
صدى العمل في الفضاء الرقمي: مفارقة التلقي
ومن المفارقات اللافتة أنّ العمل الذي ينتقد هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وجد صداه الأوسع داخل هذه الوسائل نفسها. فقد تداول روّاد الفضاء الرقمي مقاطع وصورًا وتعليقات حول العرض، مشيدين بجرأته وفرادته، ومختلفين أحيانًا حول مدى وضوح خطابه..
ويعكس هذا التفاعل طبيعة العمل ذاته، الذي لا يسعى إلى الإجماع، بل إلى إثارة الجدل. االإنسان الرابعب ليس عرضًا يُستهلك بسهولة، بل تجربة تتطلّب انخراطًا فكريًا وجماليًا، وهو ما يفسّر تعدّد القراءات التي أثارها..
على سبيل الخاتمة
يقدّم االإنسان الرابعب لتوفيق الجبالي عملًا مسرحيًا ينخرط بعمق في أسئلة العصر، مستفيدًا من أدوات التجريب والطرافة لطرح قضايا معقّدة تتعلّق بالهوية والحرية والمعرفة. وعودة الجبالي إلى التمثيل تضيف بعدًا إضافيًا لهذا العمل، حيث يتحوّل حضوره الجسدي إلى جزء من الخطاب، وإلى فعل مقاومة ضد اختزال الإنسان في معادلات رقمية. إنّه مسرح يذكّرنا، في زمن السرعة والتشظّي، بأنّ الخشبة ما تزال فضاءً ممكنًا للتفكير، ولإعادة طرح السؤال الأقدم: ماذا يعني أن نكون بشرًا؟
الرواية العربية بوصفها نبوءة وجهاز انذار: من “مدن الملح” إلى “حكاية العربي الأخير”
تكشف الرواية العربية، في كثير من تجاربها الحديثة، عن نزوع واضح نحو …
