2026-04-01

تحيين آليات الدعم والاستثمار الفلاحي في تونس: رهان أساسي لتمكين الشباب وتعصير القطاع

يشهد القطاع الفلاحي في تونس خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، مدفوعة بتغيرات اقتصادية ومناخية متسارعة، إلى جانب بروز جيل جديد من الشباب الطامح إلى اقتحام هذا المجال برؤى حديثة تقوم على الابتكار والتكنولوجيا.

غير أن هذا التوجه الطموح يصطدم بجملة من العراقيل الهيكلية، في مقدمتها تقادم آليات الدعم والاستثمار الفلاحي، التي لم تعد تستجيب بالنجاعة المطلوبة لانتظارات الفلاحين الشبان ولا لمقتضيات المرحلة.

لقد ظلت منظومة الدعم الفلاحي في تونس، رغم أهميتها، قائمة على تصورات تقليدية لا تواكب بالقدر الكافي التحولات الرقمية والتكنولوجية التي يعرفها العالم. فالإجراءات الإدارية المعقدة، وطول آجال دراسة الملفات، وضعف النفاذ إلى التمويل، كلها عوامل تثني الشباب عن خوض تجربة الاستثمار في الفلاحة، أو تدفعهم إلى البحث عن بدائل خارج هذا القطاع الحيوي.

في المقابل، يبرز في تونس اليوم وعي متزايد لدى فئة واسعة من الشباب بأهمية الفلاحة كرافعة للتنمية الاقتصادية والأمن الغذائي. فقد أظهرت عديد المبادرات الناشئة توجهًا نحو اعتماد تقنيات حديثة، مثل الري الذكي، والزراعة الدقيقة، واستعمال الطاقات المتجددة في الاستغلال الفلاحي. كما أن بعض المشاريع الشبابية نجحت في تثمين المنتوجات المحلية وولوج أسواق التصدير، رغم محدودية الإمكانيات.

غير أن هذه الديناميكية الإيجابية تظل مهددة في ظل غياب بيئة محفزة قادرة على احتضان هذه الطاقات الشابة. فآليات التمويل الحالية، سواء عبر البنوك أو مؤسسات الإيجار المالي، غالبًا ما تفرض شروطًا معقدة وضمانات يصعب على الشباب توفيرها، خاصة في ظل غياب أراضٍ فلاحية مملوكة أو موارد مالية أولية. كما أن منظومة الإحاطة والتأطير الفني لا تزال محدودة، ولا توفر المواكبة اللازمة لتحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة ومستدامة.

من هذا المنطلق، تبرز ضرورة ملحة لتحيين آليات الدعم والاستثمار الفلاحي، بما يتماشى مع التحولات الراهنة. ويشمل ذلك بالأساس تبسيط الإجراءات الإدارية، واختصار آجال دراسة الملفات، وإرساء منصات رقمية تتيح للشباب تقديم مطالبهم ومتابعتها بشفافية. كما يتطلب الأمر إحداث صيغ تمويل مبتكرة، مثل القروض الصغرى الموجهة، وصناديق الاستثمار الخاصة بالمشاريع الناشئة في المجال الفلاحي.

ولا يقل أهمية عن ذلك، تعزيز التكوين والتأطير لفائدة الشباب، عبر إدماج التكنولوجيات الحديثة في البرامج التكوينية، وتشجيع الشراكات بين المؤسسات الجامعية ومراكز البحث من جهة، والقطاع الخاص من جهة أخرى. فالفلاحة اليوم لم تعد نشاطًا تقليديًا، بل أصبحت قطاعًا قائمًا على المعرفة والابتكار، مما يستوجب إعداد كفاءات قادرة على مواكبة هذا التحول.

كما ينبغي إعادة النظر في سياسات النفاذ إلى الأراضي الفلاحية، من خلال تسهيل كراء الأراضي الدولية لفائدة الشباب، وتشجيع صيغ الاستغلال الجماعي والتعاوني، بما يمكن من تجاوز عائق الملكية الفردية. فتمكين الشباب من الأرض يعد شرطًا أساسيًا لنجاح أي سياسة دعم أو استثمار.

إن تحيين آليات الدعم والاستثمار الفلاحي لا يمثل مجرد خيار تقني، بل هو رهان استراتيجي لضمان استدامة القطاع الفلاحي في تونس، وتعزيز قدرته على خلق الثروة ومواطن الشغل. كما أنه يندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي، وتقليص التبعية للخارج، خاصة في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة.

لذلك تبدو تونس اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة سياساتها الفلاحية، من خلال وضع الشباب في صلب هذه المنظومة، باعتبارهم القوة القادرة على إحداث التغيير. غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل رهين إرادة إدارية واضحة، وإصلاحات جريئة تضع حدًا للبيروقراطية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمار الفلاحي العصري.

‫شاهد أيضًا‬

بين النمو الكـمي وتـحديات القيمة المضافـة: زيت الـزيتون التونسي يـحقق قفزة في الصـادرات

سجّل قطاع زيت الزيتون التونسي خلال الأشهر الأولى من موسم 2026-2025 مؤشرات لافتة بنحو 2263 …