2026-04-01

جديد المسرح التونسي ” الإنسان الرابع” لتوفيق الجبالي: عودة الجسد الغائب لمواجهة سطوة “الذكاء الاصطناعي”

يشكّل‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭ ‬الجديد‭ ‬االإنسان‭ ‬الرابعب‭ ‬للمخرج‭ ‬والمسرحي‭ ‬توفيق‭ ‬الجبالي‭ ‬والذي‭ ‬قدّم‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬عروض‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬حدثًا‭ ‬لافتًا‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬التونسي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬رهانات‭ ‬فكرية‭ ‬وجمالية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬لاقترانه‭ ‬بعودة‭ ‬الجبالي‭ ‬إلى‭ ‬التمثيل‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الانقطاع،‭ ‬حيث‭ ‬اكتفى‭ ‬خلالها‭ ‬بالإخراج‭ ‬والتأطير‭.  ‬ولا‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬مجرّد‭ ‬حنين‭ ‬إلى‭ ‬الخشبة،‭ ‬بل‭ ‬فعلًا‭ ‬واعيًا‭ ‬باستعادة‭ ‬الجسد‭ ‬كأداة‭ ‬مقاومة،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتنازعه‭ ‬الشاشات‭ ‬وتعيد‭ ‬تشكيله‭ ‬وفق‭ ‬أنماط‭ ‬جاهزة‭ ‬ومقولبة

في‭ ‬االإنسان‭ ‬الرابعب،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الجبالي‭ ‬ممثّلًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬كيانًا‭ ‬متشظيًا‭ ‬داخل‭ ‬عرض‭ ‬يشتغل‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬الذات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬موزّعة‭ ‬بين‭ ‬حضورها‭ ‬الفيزيائي‭ ‬وامتداداتها‭ ‬الرقمية‭. ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬الجسد‭ ‬المسرحي‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬الطبيعي‭ ‬ونظيره‭ ‬الافتراضي،‭ ‬بين‭ ‬العفوية‭ ‬والخوارزمية،‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والمراقبة

مسرح‭ ‬الطرافة‭ ‬السوداء‭: ‬الضحك‭ ‬كآلية‭ ‬تفكيك

ولعلّ‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬ميّز‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬النبرة‭ ‬الساخرة‭ ‬التي‭ ‬تطبع‭ ‬العرض،‭ ‬حيث‭ ‬يزاوج‭ ‬الجبالي‭ ‬بين‭ ‬الطرافة‭ ‬والقلق‭ ‬الوجودي‭. ‬فالضحك‭ ‬في‭ ‬االإنسان‭ ‬الرابعب‭ ‬ليس‭ ‬ترفًا،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬تفكيك،‭ ‬يكشف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬العرض‭ ‬عبثية‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬نحياه‭ ‬حيث‭ ‬شخصيات‭ ‬تتلعثم،‭ ‬تتكرّر،‭ ‬تتعطّل‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬تطبيقات،‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬تذكّرنا‭ ‬بكوننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬بدورنا‭ ‬نسخًا‭ ‬قابلة‭ ‬للاستنساخ

تلك‭ ‬الطرافة‭ ‬السوداء‭ ‬تمنح‭ ‬العرض‭ ‬خفّة‭ ‬ظاهرية‭ ‬تخفي‭ ‬عمقًا‭ ‬نقديًا‭ ‬لاذعًا‭. ‬فالمسرحية‭ ‬لا‭ ‬تهاجم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬بل‭ ‬تسائل‭ ‬طرق‭ ‬استهلاكنا‭ ‬لها،‭ ‬وكيف‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تنميط‭ ‬تُفرغ‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬خصوصيته،‭ ‬وتعيد‭ ‬إنتاجه‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬قابل‭ ‬للتوقّع‭ ‬والمراقبة

التجريب‭ ‬كخيار‭ ‬جمالي‭ ‬وفكري

يواصل‭ ‬الجبالي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬تقاليده‭ ‬التجريبية‭ ‬التي‭ ‬ميّزت‭ ‬مسيرته،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفكيك‭ ‬السرد‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬واعتماد‭ ‬بنية‭ ‬مفتوحة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬المشاهد،‭ ‬وتتقاطع‭ ‬الأزمنة،‭ ‬وتتشظّى‭ ‬الشخصيات‭. ‬فالعرض‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬حكاية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يقترح‭ ‬تجربة،‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬المتفرّج‭ ‬نفسه‭ ‬داخل‭ ‬مختبر‭ ‬مسرحي‭ ‬يختبر‭ ‬فيه‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إنسانًا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي

وتتجلّى‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭ ‬التجريبية‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬الاشتغال‭ ‬على‭ ‬الوسائط،‭ ‬حيث‭ ‬يحضر‭ ‬الفيديو،‭ ‬والصوت‭ ‬الرقمي،‭ ‬والمؤثرات‭ ‬البصرية،‭ ‬في‭ ‬تداخل‭ ‬مع‭ ‬الأداء‭ ‬الحيّ‭. ‬وهذا‭ ‬التداخل‭ ‬لا‭ ‬يُستخدم‭ ‬كزينة،‭ ‬بل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬الخطاب،‭ ‬ليعكس‭ ‬حالة‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والافتراضي‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر

الإنسان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الآلة‭: ‬سؤال‭ ‬السيطرة

يطرح‭ ‬االإنسان‭ ‬الرابعب‭ ‬سؤالًا‭ ‬مركزيًا‭: ‬من‭ ‬يتحكّم‭ ‬في‭ ‬من؟‭ ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الإنسان‭ ‬سيّد‭ ‬قراراته،‭ ‬أم‭ ‬أنّه‭ ‬أصبح‭ ‬مجرّد‭ ‬معطى‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬أكبر‭ ‬تديرها‭ ‬الخوارزميات؟‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يستثمر‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬رمزية‭ ‬االإنسان‭ ‬الرابعب‭ ‬بوصفه‭ ‬كائنًا‭ ‬جديدًا،‭ ‬لا‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬الآلة،‭ ‬بل‭ ‬كيان‭ ‬هجين‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬رمادية‭.‬

هذا‭ ‬الكائن‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العنف،‭ ‬لا‭ ‬تُمارس‭ ‬عليه‭ ‬بالسلاح،‭ ‬بل‭ ‬بالبيانات،‭ ‬بالتصنيف،‭ ‬بالتوجيه‭ ‬الخفي‭. ‬فالعنف‭ ‬هنا‭ ‬ناعم،‭ ‬لكنه‭ ‬عميق‭ ‬الأثر،‭ ‬يطال‭ ‬الوعي‭ ‬والخيال،‭ ‬ويعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الرغبات‭ ‬والاختيارات‭.‬

‭.‬احتجاج‭ ‬جمالي‭ ‬ضد‭ ‬الرقابة‭ ‬والتجهيل

إلى‭ ‬جانب‭ ‬نقده‭ ‬للهيمنة‭ ‬الرقمية،‭ ‬يوجّه‭ ‬العرض‭ ‬احتجاجًا‭ ‬واضحًا‭ ‬ضد‭ ‬أشكال‭ ‬الرقابة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعتمد‭ ‬المنع‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬الإغراق‭ ‬والتشتيت‭. ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تفيض‭ ‬فيه‭ ‬المعلومات،‭ ‬يصبح‭ ‬التجهيل‭ ‬نتيجة‭ ‬فائض‭ ‬لا‭ ‬نقص،‭ ‬وتتحوّل‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬مجرّد‭ ‬خيار‭ ‬بين‭ ‬خيارات‭ ‬متعددة

ويتجلّى‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬في‭ ‬جرأة‭ ‬الطرح،‭ ‬وفي‭ ‬كسر‭ ‬التابوهات،‭ ‬وفي‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الجدّ‭ ‬والهزل،‭ ‬بين‭ ‬المعقول‭ ‬واللامعقول‭. ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬العرض‭ ‬إجابات،‭ ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬أسئلة‭ ‬مربكة،‭ ‬تدفع‭ ‬المتفرّج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬موقعه‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المعقّد‭.‬

صدى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭: ‬مفارقة‭ ‬التلقي

ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬اللافتة‭ ‬أنّ‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬ينتقد‭ ‬هيمنة‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وجد‭ ‬صداه‭ ‬الأوسع‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬نفسها‭. ‬فقد‭ ‬تداول‭ ‬روّاد‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬مقاطع‭ ‬وصورًا‭ ‬وتعليقات‭ ‬حول‭ ‬العرض،‭ ‬مشيدين‭ ‬بجرأته‭ ‬وفرادته،‭ ‬ومختلفين‭ ‬أحيانًا‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬وضوح‭ ‬خطابه‭..‬

ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التفاعل‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬ذاته،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬الإجماع،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إثارة‭ ‬الجدل‭. ‬االإنسان‭ ‬الرابعب‭ ‬ليس‭ ‬عرضًا‭ ‬يُستهلك‭ ‬بسهولة،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬تتطلّب‭ ‬انخراطًا‭ ‬فكريًا‭ ‬وجماليًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬تعدّد‭ ‬القراءات‭ ‬التي‭ ‬أثارها‭..‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬الخاتمة

يقدّم‭ ‬االإنسان‭ ‬الرابعب‭ ‬لتوفيق‭ ‬الجبالي‭ ‬عملًا‭ ‬مسرحيًا‭ ‬ينخرط‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬أسئلة‭ ‬العصر،‭ ‬مستفيدًا‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬التجريب‭ ‬والطرافة‭ ‬لطرح‭ ‬قضايا‭ ‬معقّدة‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالهوية‭ ‬والحرية‭ ‬والمعرفة‭. ‬وعودة‭ ‬الجبالي‭ ‬إلى‭ ‬التمثيل‭ ‬تضيف‭ ‬بعدًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬لهذا‭ ‬العمل،‭ ‬حيث‭ ‬يتحوّل‭ ‬حضوره‭ ‬الجسدي‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الخطاب،‭ ‬وإلى‭ ‬فعل‭ ‬مقاومة‭ ‬ضد‭ ‬اختزال‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬رقمية‭. ‬إنّه‭ ‬مسرح‭ ‬يذكّرنا،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬السرعة‭ ‬والتشظّي،‭ ‬بأنّ‭ ‬الخشبة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬فضاءً‭ ‬ممكنًا‭ ‬للتفكير،‭ ‬ولإعادة‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬الأقدم‭: ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬بشرًا؟

‫شاهد أيضًا‬

الرواية العربية بوصفها نبوءة وجهاز انذار: من “مدن الملح” إلى “حكاية العربي الأخير”

تكشف‭ ‬الرواية‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬تجاربها‭ ‬الحديثة،‭ ‬عن‭ ‬نزوع‭ ‬واضح‭ ‬نحو‭ …