تنفّس التونسيون عموما والمعنيون بالفلاحة بشكل خاص الصعداء هذا العام بفضل تهاطل الأمطار والقطع مع سنوات الجفاف العجاف التي جعلت البلاد على حافة إعلان الشح المائي، وانعكس ذلك بالسلب على مناحي الحياة العامة وعلى الأنشطة الفلاحية وهدّد بقوة الأمن الغذائي والبيئي والإنساني برمته..
وطبيعي أن يتفاعل الجميع مع الغيث، ومع المؤشرات الإيجابية العديدة المرافقة، والأهم من ذلك رسم خارطة طريق للتعامل الجيّد مع مياه الأمطار في اللحظة الراهنة ومحاولة الحد من هدرها والتأسيس بناء على ذلك لاجتياز موسم الحصاد الذي هو على الأبواب والشروع في الاعداد للمواسم القادمة وفق مقاربة شاملة تاخذ بعين الاعتبار احتياجات التونسيين فلم يعد مقبولا بعد 70 سنة من الاستقلال الاتكال على الخارج لتوفير المواد الغذائية الأساسية.
في هذا السياق يمكن تنزيل لقاء رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد يوم الثلاثاء 31 مارس 2026 مع وزير الفلاحة والموارد المائيّة والصّيد البحري وكاتب الدّولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائيّة والصّيد البحري المكلّف بالمياه.
وحسب ما رشح عن هذا اللقاء في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، فان الخطوط الكبرى لخارطة الطريق تبدو واضحة وجلية وكذلك الأمر بالنسبة إلى المسؤوليات التي هي في نهاية المطاف مشتركة يتقاطع فيها دور المواطن والفلاح والمسؤول وصاحب القرار في مفاصل الدولة.
ومرة أخرى يقع التأكيد على أن الفلاحة بكل مكوناتها جزء من الأمن القومي للدولة التونسية، والتأكيد بالتالي أن المساس به بأيّ شكل من الأشكال لن يبقى خارج المحاسبة وهو ما يجب أن يتحقق دون أن يعود ذلك بالوبال على الفلاحة والفلاحين.
وكما هو معلوم فقد التقت الأسباب الطبيعية، ونقصد بذلك شح الأمطار والجفاف، مع الأسباب البشرية إن جاز القول فتراجعت الفلاحة وتقلص الانتاج وتكاثرت مشكلات الحصاد وجمع المحاصيل والتخزين والتوزيع والتصدير وأصبح سكان «مطمورة روما» مرغمين على استيراد قوتهم وغلالهم وخضرهم ولحومهم وحتى أسماكهم..!
إن كميات الأمطار الهامة المسجّلة حتى الآن تفرض علينا المحافظة على المياه وصيانة السّدود وإحداث البحيرات الجبلية والتعهد بشبكات المياه وشبكات الصرف ومجمل البنية التحتية، ويجب ان لا يكون هذا العمل موسميا ومناسباتيا وبتعليمات من رئيس الجمهورية كل مرة، فهو التزام وجرأة واجتهاد لكل «مسؤول» في موقعه ويكفي ما يكابده المواطن التونسي في كل مرة تنزل فيها الأمطار ولو بكميات قليلة فتغرق المدن في الوحل وتتعطل حركة السير وتتهاوى الأسوار والبنايات القديمة المتهالكة..
المهام الثانية في خارطة الطريق، حسن التعامل مع الصّابة هذه السّنة والتي ستكون قياسيّة بعد انحباس طويل للأمطار، ولن يكون مقبولا في هذه المرحلة تلف واتلاف جزء من المحاصيل مهما كانت الحجج والتعلات فالوقت ما يزال مناسبا، علاوة على ان الأمطار لم تكن مفاجئة والجميع على بينة من كمياتها منذ الخريف الماضي.
لم يعد مقبولا هنا، أن نستمع إلى مسؤول يتحدث عن صابة استثنائية ليعود نفس المسؤول بعد فترة ويتحدث عن صعوبات الحصاد أو التخزين أو التسويق.
والاستعداد للخريف القادم، يبدأ الآن أيضا، وهناك أدوار بعينها لمؤسسات بعينها يجب أن تكون واضحة وجاهزة وقريبة من المواطن وخاصة من الفلاح، ونتحدث هنا عن الإحاطة بصغار الفلاّحين على وجه الخصوص في كافّة المستويات من خلال مرافقتهم ومساعدتهم للحصول على الأسمدة والبذور والأدوية والقروض وجميع التسهيلات الممكنة وإرشادهم كذلك حتى لا يترددوا ويخطئوا في تأدية مهامهم.
والغريب أن كثيرين يختزلون الفلاحة في الخضر والغلال والحبوب ويتحدثون فقط عن التمور وعن زيت الزيتون ويتناسون الثروات الحيوانية والصيد البحري.
التونسيون مقدمون على مناسبة دينية كبيرة وهي عيد الاضحى، وهي مناسبة تستوجب توفير عدد كبير من الأضحية يبدو انها غير متوفرة في الوقت الحاضر وان ثمنها لن يكون في متناول أغلب التونسيين، دون أن ننسى ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في هذه الفترة واللحوم البيضاء على حد سواء.
وبالنسبة إلى الأسماك، من المفارقات، أن تغيب هذه المادة الغذائية الأساسية من الأسواق أو أن تكون حاضرة بأسعار خيالية في دولة يحدها البحر الابيض المتوسط من جهتين على امتداد مئات الكيلومترات..
ان صورة الوضع مكشوفة الآن، والامطار أعادت لحسن الحظ الاهتمام والاعتبار للفلاحة التي كنا ولا نزال نقول أنها الحلّ متى اضطلع كل طرف بمسؤوليته.
في الذكرى الـ26 لرحيله.. لماذا صمد الإرث البورقيبي؟
تمرّ هذه الأيام الذكرى الـ26 لرحيل أول رئيس للجمهورية التونسية، الزعيم الحبيب بورقيبة ذات …








