2026-04-03

رغم تحسّن المؤشرات الظرفية: المياه بين ضغط الموارد وأهمية الحوكمة

في سياق يتسم بتزايد الضغوط المناخية وتنامي الطلب على الموارد الطبيعية، تعود مسألة المياه في تونس إلى صدارة الاهتمام الوطني، لا فقط كملف بيئي، بل كقضية سيادية تمسّ الأمن الغذائي وتهمّ الاستقرار الاجتماعي.

وبمناسبة اليوم العالمي للمياه، شكّل إطلاق الإصدار الأول للمرصد التونسي للمياه، محطة جديدة لتشخيص واقع القطاع واستشراف تحدياته، وسط دعوات متصاعدة لإعادة هيكلة شاملة لمنظومة التصرف في هذه الثروة الحيوية.

وقدّم الخبير في التنمية والتصرف في الموارد حسين الرحيلي خلال ندوة صحفية بمقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ،قراءة تحليلية للوضع المائي، مؤكداً أن المؤشرات الظرفية، رغم تحسنها النسبي، لا تعكس حلاً حقيقياً للأزمة بقدر ما تخفي اختلالات عميقة ومتراكمة. كما تم الإعلان عن تنظيم الدورة الثانية للملتقى الوطني للمياه أواخر أفريل 2026، لبحث الترابط بين الماء والطاقة في سياق دولي متحوّل، ما يعكس إدراكاً متزايداً بتعقيد هذا الملف وتداخل أبعاده.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نصيب الفرد من المياه في تونس تراجع إلى حدود 420 متر مكعب سنوياً سنة 2025، مقابل 450 متر مكعب سنة 2020، وهو مؤشر يضع البلاد ضمن خانة «الفقر المائي». ورغم تسجيل تحسن في نسبة امتلاء السدود التي بلغت نحو 65 % سنة 2025 مقارنة بـ45 % في 2024 و35 % في 2023، فإن هذا التحسن يبقى ظرفياً ومرتبطاً أساساً بتساقطات موسمية، دون أن يعكس تحولاً هيكلياً في إدارة الموارد.

هذا التباين بين تحسن المخزون الظرفي واستمرار الأزمة الهيكلية يطرح إشكاليات جوهرية تتعلق بضعف الحوكمة، وتهالك البنية التحتية، وغياب رؤية استراتيجية متكاملة قادرة على تحقيق التوازن بين العرض والطلب.

رهان السيادة الغذائية

يمثل القطاع الفلاحي الحلقة الأثقل في معادلة استهلاك المياه، إذ يستأثر بنحو 80 % من الموارد المائية، وفق تقرير للبنك الدولي لسنة 2024. ورغم أهمية هذا القطاع في تحقيق الأمن الغذائي، فإن نمط الإنتاج الحالي يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة استخدام المياه، خاصة في ظل اعتماد أساليب ري تقليدية وضعف تعميم التقنيات المقتصدة للمياه.

ولا تقف التحديات عند حدود الاستهلاك، بل تمتد إلى تأثيرات مباشرة على الإنتاجية، حيث تشير الدراسات إلى أن أكثر من 50 % من صغار الفلاحين في المناطق الداخلية تضرروا من نقص المياه، مع تسجيل تراجع في الإنتاج يصل إلى 30 %. وهو ما يهدد التوازنات الاقتصادية والاجتماعية في هذه المناطق، ويفاقم من ظاهرة الهجرة الداخلية.

في المقابل، يطرح النشاط الصناعي، وخاصة في الحوض المنجمي وقابس، تحديات بيئية حادة. فقد أظهرت دراسات أن نحو 15 % من المياه الجوفية تعرضت للتلوث نتيجة الصناعات الاستخراجية، وهو ما ينعكس سلباً على جودة المياه وصحة السكان.

وفي قابس تحديداً، يرتبط استنزاف الموارد المائية بمعالجة الفسفاط، حيث يقدّر الإنتاج السنوي بنحو 8 ملايين طن، ما يستهلك قرابة 10 % من إجمالي الإنتاج الوطني للمياه. هذه الأرقام تعيد طرح مسألة المسؤولية البيئية للمؤسسات الصناعية، وعلى رأسها شركة فسفاط قفصة، وضرورة التوجه نحو استخدام مصادر مائية غير تقليدية، كتحلية المياه أو إعادة استعمال المياه المعالجة.

وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، تكشف الأرقام عن اتساع رقعة الاضطرابات في التزود بالمياه. فقد تصدرت ولاية قفصة قائمة المناطق الأكثر تضرراً بأكثر من 400 انقطاع مسجل خلال سنة 2025، في حين انضمت ولايات أخرى إلى ما يمكن تسميته بـ«خارطة العطش»، من بينها سوسة بـ120 انقطاع، والمنستير بـ90، وقابس بـ150، إضافة إلى بن عروس بـ200 وأريانة بـ80 انقطاعاً.

هذا التوسع في رقعة الانقطاعات يعكس هشاشة الشبكات وتزايد الضغط على الموارد، حتى في المناطق الساحلية التي كانت إلى وقت قريب أقل عرضة لهذه الإشكالات.

وأمام هذا الواقع المعقد، تتجه الأنظار نحو ضرورة إرساء إصلاحات هيكلية تقوم على مراجعة سياسات التصرف في المياه، وتعزيز الحوكمة، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب الاستثمار في الموارد غير التقليدية، مثل تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة.

‫شاهد أيضًا‬

تحيين آليات الدعم والاستثمار الفلاحي في تونس: رهان أساسي لتمكين الشباب وتعصير القطاع

يشهد القطاع الفلاحي في تونس خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، مدفوعة بتغيرات اقتصادية ومن…