توجه تونس نحو إفريقيا: خيار استراتيجي لتنويع الشراكات الاقتصادية
تشهد تونس في السنوات الأخيرة تحوّلًا واضحًا في توجهها الاقتصادي، حيث لم تعد تكتفي بالأسواق التقليدية، بل بدأت تتجه بثبات نحو القارة الإفريقية بحثًا عن فرص جديدة للنمو. ويعود ذلك أساسًا إلى اعتمادها الكبير على الاتحاد الأوروبي الذي يستقطب أكثر من 70% من مبادلاتها التجارية، وهو ما يجعل الاقتصاد التونسي حساسًا لأي أزمات خارجية.
في المقابل، تمثل إفريقيا اليوم سوقًا واعدة تضم أكثر من 1.3 مليار مستهلك، مع نسب نمو مرتفعة، خاصة في ظل دخول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيّز التنفيذ، والتي تهدف إلى تسهيل المبادلات التجارية بين الدول الإفريقية وفتح آفاق أوسع للاستثمار.
وفي هذا الإطار، احتضنت تونس مؤخرا المنتدى الاقتصادي التونسي النيجري، بحضور وفد من رجال الأعمال من النيجر يضم حوالي 20 فاعلًا اقتصاديًا، إلى جانب أكثر من 100 مؤسسة تونسية. وقد شكّل هذا اللقاء فرصة حقيقية لدفع التعاون بين البلدين، خاصة وأن حجم المبادلات التجارية لا يزال ضعيفًا، إذ لم يتجاوز 23.6 مليون دينار سنة 2025. ورغم هذا الرقم المحدود، فإن الإمكانيات كبيرة، حيث تم التركيز خلال المنتدى على قطاعات واعدة مثل الطاقات المتجددة، الفلاحة، التكنولوجيا والخدمات، مع العمل على إطلاق مشاريع مشتركة. كما تُعد النيجر بوابة مهمة نحو أسواق إفريقيا جنوب الصحراء التي تضم أكثر من 550 مليون مستهلك، وهو ما يعزز أهمية هذا التعاون.
ولا يأتي هذا الحدث بمعزل عن توجه عام لتونس نحو إفريقيا، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الحضور الاقتصادي في القارة. ويتجلى ذلك من خلال مشاركة تونس في تظاهرات اقتصادية كبرى، مثل منتدى الاستثمار لمنظمة الكوميسا الذي احتضنته نيروبي بمشاركة 17 دولة وأكثر من 400 مستثمر وفاعل اقتصادي. كما شرعت تونس في مفاوضات جديدة ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية للفترة 2026-2028، تركز على تحرير تجارة الخدمات والاستثمار وحقوق الملكية الفكرية، بهدف تسهيل دخول المنتجات التونسية إلى الأسواق الإفريقية. وتسعى من خلال ذلك إلى تفعيل آلية «تراكم المنشإ»، بما يسمح بدمج المنتجات التونسية في سلاسل الإنتاج الإفريقية، إضافة إلى العمل على تحويل تونس إلى منصة تجارية تربط بين أوروبا وإفريقيا، بدعم من شركاء دوليين مثل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي.
وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه يمثل خيارًا استراتيجيًا قادرًا على إعادة التوازن للاقتصاد التونسي، من خلال تقليص التبعية للأسواق الأوروبية وفتح آفاق أوسع أمام الصادرات الوطنية. فإفريقيا، التي لا تستقطب حاليًا أقل من 10% من صادرات تونس، توفر إمكانيات نمو كبيرة يمكن أن ترفع هذه النسبة بشكل ملحوظ في السنوات القادمة. كما أن الطلب المتزايد في العديد من الدول الإفريقية على الخدمات، مثل التعليم العالي والصحة والتكنولوجيا، يتيح لتونس فرصة تصدير خبراتها وكفاءاتها في هذه المجالات، بما يعزز عائداتها من العملة الصعبة. ولا يقتصر الأمر على التصدير فقط، بل يشمل أيضًا الاستثمار، حيث تمثل دول مثل النيجر فضاءات واعدة بفضل ما تزخر به من موارد طبيعية، كالبترول واليورانيوم والفسفاط، إلى جانب حاجتها إلى تطوير البنية التحتية، وهو ما يفتح المجال أمام المؤسسات التونسية للمساهمة في مشاريع كبرى.
ومن جهة أخرى، يمكن لهذا التوجه أن يساهم في تموقع تونس كمحور إقليمي يربط بين أوروبا وإفريقيا، خاصة إذا ما تم تطوير الموانئ وشبكات النقل وتعزيز الربط اللوجستي. كما أن تفعيل اتفاقيات مثل الزليكاف والكوميسا من شأنه أن يمنح المنتجات التونسية مزايا تنافسية، عبر تخفيض الرسوم الجمركية وتسهيل النفاذ إلى الأسواق. وعلى المدى البعيد، يمكن أن يؤدي هذا الانفتاح إلى خلق فرص عمل جديدة، وتحفيز المؤسسات الصغرى والمتوسطة على التوسع خارج الحدود، إضافة إلى دعم الابتكار وتبادل الخبرات في إطار تعاون جنوب-جنوب أكثر توازنًا.
ورغم حرص تونس على حسن التموقع إفريقيا واقتناص الفرص لتبني علاقات اقتصادية واعدة مع عدد كبير من دول القارة السمراء، يواجه تسريع نسق هذه الشراكات وتنفيذها على أرض الواقع تحديات حقيقية، من بينها ضعف النقل واللوجستيك وارتفاع كلفة التصدير، إضافة إلى المنافسة القوية من دول مثل الصين وتركيا. ومع ذلك، يؤكد أهل الاقتصاد أن هذا التوجه يظل خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، خاصة إذا ما تم دعمه بالإصلاحات الاقتصادية المطلوبة وتقديم تسهيلات للمؤسسات. فإفريقيا، وفق رأي بعض الخبراء، قد تتحول في السنوات القادمة إلى ركيزة أساسية لنمو الاقتصاد التونسي، فرصة حقيقية لبناء شراكات متوازنة تقوم على تبادل المنافع والخبرات، بما يعزز مكانة تونس داخل محيطها الإقليمي ويفتح أمامها آفاقًا جديدة للتنمية المستدامة.
مع دخول قواعد المنشإ الإفريقية لقطاع السيارات حيز التنفيذ فرص جديدة وسوق هامة لصناعة مكونات السيارات التونسية
دخلت قواعد المنشإ الخاصة بقطاع السيارات ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التن…












