جديد “كابصا للنشر والتوزيع”، كتابان عن المذاهب الأخلاقية الكبرى وعن قوة القلب: معارف جديدة من أجل قارئ عربي جديد
منير العليمي شاعر تونسي كانت له تجربة مهمة كناشر في دار النشر السعودية ” صفحة 7”، ثمّ أسّس دار نشر ” كابصا للنشر والتوزيع”. وكابصا هي الاسم الروماني لمدينة قفصة التي ينحدر منها العليمي. ويبدو واضحا أنّ الدار تطمح إلى أن تكون بأفق عربي و تقدّم منشورات تشمل الأدب والعلوم الانسانية وخصوصا الترجمات، من أجل تقديم منشورات تليق بقارئ عربي متعطش للمعرفة وللأدب الرفيع. من ضمن منشورات الدار هاذان الكتابان اللذان صدرا حديثا.
الكتاب الأول هو كتاب ” المذاهب الأخلاقية الكبرى من سقراط إلى فرويد” ل هوبير غرنييه، ترجمة نجيب بوعادل. في هذا الكتاب يبدأ هوبير غرنييه بعرضٍ عامٍّ للمعتقدات الأخلاقية، متتبعًا مسار تطوّر الفكر الأخلاقي منذ الفلاسفة القدامى، كسقراط وأفلاطون وأرسطو، وصولًا إلى المفكرين المحدثين، مثل كانط وميل وفرويد. ويعمد المؤلّف إلى استعراض تاريخ المذاهب الأخلاقية الكبرى، ساعيًا إلى الوقوف على أسباب ما يراه انحدارًا قد يكون عارضًا أو مؤقتًا، مؤكدًا في الآن ذاته الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر فيها، مدفوعًا بتنامي الرغبة في مواجهة الإفراط في التساهل مع النزعات الفردية.
يقدِّمُ الكتاب عرضًا وافيًا لأبرز النظريات الأخلاقية، من قبيل النفعية، وأخلاق الواجب، وأخلاق الفضيلة، والنسبية الأخلاقية، ويتناول في سياق ذلك جملةً من الإشكالات العملية، ويبيّن كيف تتعامل كلّ نظرية مع هذه القضايا، فضلًا عن استعراض تطبيقات عملية للمبادئ الأخلاقية في الواقع. ثمّ إنّه يوسّع أفق النقاش ليشمل رؤًى معاصرة في النظرية الأخلاقية، بما في ذلك التحديات الجديدة التي يثيرها العلم وبعض ممثليه ممّن تراجع إيمانهم بالقيم المتعالية والثابتة، وصاروا ينظرون إلى القيم بوصفها انعكاسًا لشروط نفسية واجتماعية متغيّرة.
في عمل غرنييه يجد القارئ أيضًا مناقشة نقدية لكلّ نظرية، يفحص فيها مواطن القوّة والضعف، ويتتبّع النقاشات التي تدور في محيطها، بما يتيح فهمًا أعمق للقيود والتحديات التي تواجه كلّ مذهب أخلاقي. وهو يركّز، من جهة أخرى، على إمكان التكامل بين المذاهب الأخلاقية النظرية ومجال اتخاذ القرار العملي، مبيّنًا كيف أنّ الأفكار الفلسفية يمكنها، في مسار تطوّرها، أن تسهم في تشكيل السلوك الأخلاقي في العالم الواقعي دون أن يكون ذلك غايةً مباشرة لها؛ فكلّما قُدِّمت الأخلاق بتكلّفٍ وتصنّع، تضاءل حضورها وتلاشت قيمتها.
أمّا الكتاب الثاني، فهو كتاب ” قوة القلب نور المعرفة لا يطفئ نور المحبّة” لجاكلين كيلين، ترجمة المصطفى صباني و عبد الرحيم أبطي”. وتعتبرجاكلين كيلين من الأقلام المهمة التي لم تأخذ حظها في المدونة العربية ولم تترجم كتبها، رغم تأليفها لأكثر من سبعين كتابًا وإلمامها العميق بالحضارة العربية الإسلامية.
تكمن قوة الكاتبة في إلمامها الكبير بالتصوف المسيحي والتصوف الإسلامي والجمع بينهما وتوظيفهما في معالجة التحوُّلات الاجتماعية والظواهر المجتمعية الغربية التي تتجه إلى ترسيخ فردانية قائمة على الفراغ الروحي والاحتراق النفسي.
من أجواء الكتاب نقدّم هذا المقتطف لقراء الصحافة اليوم: ” خير مثال نسوقه على مثالب الرغبة المستنفِدة للشهوات؛ قصة ميداس (Midas)، ملك فْرِجْيا (Phrygie) الذي قدَّم خدمة جليلة للإله باخوس (Bacchus)، فاقترح عليه هذا الأخير أن يحقِّق له كل ما يتمنَّاه. ومن دون أن يكلِّف نفسه التفكير مليًّا فيما سيطلبه منه، تمنَّى ميداس أن يتحوَّل كلُّ ما يلامسه إلى ذهبٍ، بحيث لم يتمالك نفسه فطارَ فرحًا لما اختبر قدراته الجديدة، فكلَّما التقط حجرًا أو قطف ثمرةً أو غمس يديه في الماء… إلَّا وتحوَّل كلُّ شيءٍ من حوله إلى ذهبٍ خالصٍ سواء صلبًا كان أو سائلًا. لكن ما إن اشتدَّ جوعه وطلب من خدمه ألذَّ الطَّعام حتَّى أدرك فداحة أمنيته، فكلَّما امتدَّت يده أو اقترب فمه من الطعام إلَّا واستحال إلى معدنٍ ثمين لا يُؤكل. هكذا أدرك بعد فوات الأوان أنَّه محكوم عليه بالموت جوعًا من جرَّاء طَمَعِهِ المفرط، ولم يجد أمامه حينئذ غير التوسُّل إلى راعيه باخوس ليخلِّصه من عواقب هذه النعمة المسمومة. لكن مغزى هذه التجربة ودروسها كانت أعظم من أن يتعلَّم حكمتها، فبعد وقت قصيرٍ فقط، وقع في ورطة اختبارٍ آخر لمَّا نُصِّبَ حكَمًا في مسابقة موسيقيَّة جرت أطوارها بين أبولون (Apollon) السماوي وبان (Pan) الأرضي، لينحاز في حكمه أخيرًا إلى إله الناي الأرضي، فكان جزاؤه بأن نبتت له أذنَا حمارٍ، فأمضى الوقت محاولًا إخفاءهما عن الأنظار من تحت تاجه الملكي.
ليس ميداس مجرَّد رمزٍ للجهل فقط، بل للغباء ذاته، فهو ذلك الإنسان الذي لم يُستكمل تهذيبه قطُّ، لأنَّه ما انفكَّ يهرول دونَما تروٍّ أو تفكيرٍ نحو اللَّذَّات العابرة والمظاهر الخادعة. إنَّ ميداس هو كلُّ واحدٍ منَّا سريع الانقياد للأهواء والطامع في التملُّك والسُّلطة، فهو ذلك “الملك المفعم بالبؤس” كما صوَّره باسكال (Pascal). فهذه الرغبات المدمِّرة تقضي على الكائن، لأنَّها تعيق الحكمة التي يمثِّلها إله الشمس أبولون، كما تحُول دون الرضا بنعمة بساطة الطعام وطيبته. وهكذا، يجسد ميداس الروح الجشعة الطمَّاعة التي تعمي بصيرة الإنسان وتقوده حتمًا إلى حتفه.”
المجلة الثقافية المستقلّة «الاحساس»، مولود ثقافي جديد من أجل حضور أوسع للفن المعاصر: قريبون لكن بعيدون، ما الذي يجمعنا، وما الذي يفرّقنا؟
في زمن الرقميات يصدر العدد الأوّل من المجلة الورقيّة ” الاحساس…


