2026-04-03

من تداعيات صدمة الخليج على الاقتصاد التونسي قطاع الأليمنيوم في مرمى النيران..

لم يكن ارتفاع أسعار الأليمنيوم في الأسواق العالمية خلال الأيام الأخيرة مجرد تفاعل عابر مع توتر جيوسياسي بل جاء نتيجة صدمة حقيقية في العرض بعد استهداف مصاهر كبرى في منطقة الخليج والتي تمثل أحد أهم مراكز الإنتاج العالمي لهذه المادة الحيوية.

وبينما تتجه الأسعار نحو أعلى مستوياتها منذ سنوات تطرح هذه التطورات تساؤلات جدية حول تداعياتها على اقتصادات مستوردة مثل تونس ومدى قدرة نسيجها الصناعي على امتصاص هذه الصدمة.

تشير المعطيات الأولية إلى أن سوق الأليمنيوم دخلت مرحلة اضطراب حاد، حيث أدى استهداف منشآت إنتاج في الخليج إلى مخاوف فعلية بشأن استمرارية الإمدادات خاصة وأن هذه المنطقة تؤمّن نسبة معتبرة من الإنتاج العالمي. وقد تزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إضافة إلى اضطراب حركة النقل عبر مضيق هرمز وهو ما غذّى موجة مضاربات رفعت الأسعار بشكل سريع.

تأثير مباشر

بالنسبة إلى تونس التي لا تنتج الأليمنيوم الأولي وتعتمد بشكل شبه كلي على التوريد فإن التأثير سيكون مباشرًا وإن كان غير مرئي في البداية حسب ما يؤكده اهل الاختصاص. فالمؤسسات الصناعية المحلية خاصة العاملة في تحويل الأليمنيوم وصناعة مكوناته ستجد نفسها أمام ارتفاع مفاجئ في كلفة المواد الأولية وهو ما سينعكس تدريجيًا على أسعار المنتجات النهائية من الأبواب والنوافذ إلى التجهيزات الكهربائية ومواد التعليب.

ولا يقف الأمر عند حدود السوق الداخلية إذ يهدد هذا الارتفاع أيضًا تنافسية المؤسسات التونسية المصدّرة خاصة تلك المرتبطة بالسوق الأوروبية. ففي ظل ارتفاع الكلفة ستجد هذه المؤسسات صعوبة في الحفاظ على أسعارها التفضيلية مما قد يفتح المجال أمام منافسين من دول أخرى أقل تأثرًا بارتفاع الأسعار أو تتمتع بكلفة طاقة أقل.

ويبرز من جهة أخرى عامل لا يقل خطورة يتمثل في اضطراب سلاسل التوريد. فالدول الأوروبية نفسها تعتمد جزئيًا على أليمنيوم الخليج وأي نقص في هذه السوق قد يدفعها إلى إعادة توجيه الإمدادات نحو أولوياتها الداخلية وهو ما قد ينعكس سلبًا على قدرة تونس على التزود بهذه المادة في الآجال وبالكميات المطلوبة. وهنا لا يتعلق الخطر فقط بالسعر بل بإمكانية توفر المادة أساسًا.

كما يُنتظر أن تمتد هذه التداعيات إلى قطاع البناء والأشغال العمومية حيث يُعد الأليمنيوم مكونًا أساسيًا في عديد التطبيقات. ومع ارتفاع أسعاره قد تشهد كلفة المشاريع ارتفاعًا إضافيًا في وقت يعاني فيه القطاع أصلًا من ضغوط مالية وتباطؤ في نسق الإنجاز.

فرصة لتعزيز موقع تونس

ورغم هذه التحديات لا تخلو الأزمة من فرص محتملة. فقد تدفع التحولات الحالية في سلاسل التوريد العالمية خاصة في أوروبا إلى البحث عن شركاء صناعيين أقرب جغرافيًا وأكثر استقرارًا وهو ما قد يفتح أمام تونس نافذة لتعزيز موقعها كمزود صناعي في إطار ما يعرف بإعادة التموقع أو القرب الصناعي. كما يمكن أن تشكل هذه الأزمة حافزًا لتطوير قطاع إعادة تدوير الأليمنيوم الذي يمثل بديلًا استراتيجيًا لتقليص التبعية للخارج وتخفيف الضغط على العملة الصعبة.

ويعكس في الواقع وضع قطاع الأليمنيوم في تونس مفارقة واضحة فبينما تمتلك البلاد خبرة معتبرة في الصناعات التحويلية المرتبطة بهذه المادة فإنها تظل رهينة تقلبات الأسواق العالمية بسبب غياب إنتاج أولي محلي وارتفاع كلفة الطاقة وهو ما يحدّ من قدرتها على المناورة في مثل هذه الأزمات.

ومن الواضح عامة أن ما يشهده سوق الأليمنيوم اليوم يتجاوز مجرد تقلب ظرفي في الأسعار ليعكس تحوّلًا أعمق في موازين العرض والطلب تحت تأثير التوترات الجيوسياسية. ويرى الخبراء ان التحدي بالنسبة إلى تونس لا يكمن فقط في امتصاص الصدمة الحالية بل في استباق التحولات القادمة عبر سياسات صناعية أكثر مرونة تستثمر في التنويع وإعادة التدوير وتعزيز الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

‫شاهد أيضًا‬

تونس تنجح في تقليص العجز التجاري واكتساح الأسواق العالمية الخيارات الوطنية ضمانة للإقلاع الاقتصادي

كشفت معطيات حديثة صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء عن تسجيل تحسّن نسبي في ميزان التجارة الخا…