2026-04-03

جديد “كابصا للنشر والتوزيع”، كتابان عن المذاهب الأخلاقية الكبرى وعن قوة القلب: معارف جديدة من أجل قارئ عربي جديد

منير‭ ‬العليمي‭ ‬شاعر‭ ‬تونسي‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬تجربة‭ ‬مهمة‭ ‬كناشر‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬النشر‭ ‬السعودية‭ ” ‬صفحة‭ ‬7‭”‬،‭ ‬ثمّ‭ ‬أسّس‭ ‬دار‭ ‬نشر‭ ” ‬كابصا‭ ‬للنشر‭ ‬والتوزيع‭”. ‬وكابصا‭ ‬هي‭ ‬الاسم‭ ‬الروماني‭ ‬لمدينة‭ ‬قفصة‭ ‬التي‭ ‬ينحدر‭ ‬منها‭ ‬العليمي‭. ‬ويبدو‭ ‬واضحا‭ ‬أنّ‭ ‬الدار‭  ‬تطمح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بأفق‭ ‬عربي‭ ‬و‭ ‬تقدّم‭ ‬منشورات‭ ‬تشمل‭ ‬الأدب‭ ‬والعلوم‭ ‬الانسانية‭ ‬وخصوصا‭ ‬الترجمات،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقديم‭ ‬منشورات‭ ‬تليق‭ ‬بقارئ‭ ‬عربي‭ ‬متعطش‭ ‬للمعرفة‭ ‬وللأدب‭ ‬الرفيع‭. ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬منشورات‭ ‬الدار‭ ‬هاذان‭ ‬الكتابان‭ ‬اللذان‭ ‬صدرا‭ ‬حديثا‭.‬

الكتاب‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬كتاب‭ ” ‬المذاهب‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬سقراط‭ ‬إلى‭ ‬فرويد‭” ‬ل‭ ‬هوبير‭ ‬غرنييه،‭ ‬ترجمة‭ ‬نجيب‭ ‬بوعادل‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬يبدأ‭ ‬هوبير‭ ‬غرنييه‭ ‬بعرضٍ‭ ‬عامٍّ‭ ‬للمعتقدات‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬متتبعًا‭ ‬مسار‭ ‬تطوّر‭ ‬الفكر‭ ‬الأخلاقي‭ ‬منذ‭ ‬الفلاسفة‭ ‬القدامى،‭ ‬كسقراط‭ ‬وأفلاطون‭ ‬وأرسطو،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬المفكرين‭ ‬المحدثين،‭ ‬مثل‭ ‬كانط‭ ‬وميل‭ ‬وفرويد‭. ‬ويعمد‭ ‬المؤلّف‭ ‬إلى‭ ‬استعراض‭ ‬تاريخ‭ ‬المذاهب‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ساعيًا‭ ‬إلى‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬أسباب‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬انحدارًا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عارضًا‭ ‬أو‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحّة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬فيها،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بتنامي‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬النزعات‭ ‬الفردية‭.‬

يقدِّمُ‭ ‬الكتاب‭ ‬عرضًا‭ ‬وافيًا‭ ‬لأبرز‭ ‬النظريات‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬النفعية،‭ ‬وأخلاق‭ ‬الواجب،‭ ‬وأخلاق‭ ‬الفضيلة،‭ ‬والنسبية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬ويتناول‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ذلك‭ ‬جملةً‭ ‬من‭ ‬الإشكالات‭ ‬العملية،‭ ‬ويبيّن‭ ‬كيف‭ ‬تتعامل‭ ‬كلّ‭ ‬نظرية‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬استعراض‭ ‬تطبيقات‭ ‬عملية‭ ‬للمبادئ‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬ثمّ‭ ‬إنّه‭ ‬يوسّع‭ ‬أفق‭ ‬النقاش‭ ‬ليشمل‭ ‬رؤًى‭ ‬معاصرة‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التحديات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬يثيرها‭ ‬العلم‭ ‬وبعض‭ ‬ممثليه‭ ‬ممّن‭ ‬تراجع‭ ‬إيمانهم‭ ‬بالقيم‭ ‬المتعالية‭ ‬والثابتة،‭ ‬وصاروا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬القيم‭ ‬بوصفها‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لشروط‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬متغيّرة‭.‬

في‭ ‬عمل‭ ‬غرنييه‭ ‬يجد‭ ‬القارئ‭ ‬أيضًا‭ ‬مناقشة‭ ‬نقدية‭ ‬لكلّ‭ ‬نظرية،‭ ‬يفحص‭ ‬فيها‭ ‬مواطن‭ ‬القوّة‭ ‬والضعف،‭ ‬ويتتبّع‭ ‬النقاشات‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬محيطها،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬فهمًا‭ ‬أعمق‭ ‬للقيود‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬كلّ‭ ‬مذهب‭ ‬أخلاقي‭. ‬وهو‭ ‬يركّز،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬على‭ ‬إمكان‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬المذاهب‭ ‬الأخلاقية‭ ‬النظرية‭ ‬ومجال‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬العملي،‭ ‬مبيّنًا‭ ‬كيف‭ ‬أنّ‭ ‬الأفكار‭ ‬الفلسفية‭ ‬يمكنها،‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تطوّرها،‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬السلوك‭ ‬الأخلاقي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الواقعي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬غايةً‭ ‬مباشرة‭ ‬لها؛‭ ‬فكلّما‭ ‬قُدِّمت‭ ‬الأخلاق‭ ‬بتكلّفٍ‭ ‬وتصنّع،‭ ‬تضاءل‭ ‬حضورها‭ ‬وتلاشت‭ ‬قيمتها‭.‬

أمّا‭ ‬الكتاب‭ ‬الثاني،‭ ‬فهو‭ ‬كتاب‭ ” ‬قوة‭ ‬القلب‭ ‬نور‭ ‬المعرفة‭ ‬لا‭ ‬يطفئ‭ ‬نور‭ ‬المحبّة‭”  ‬لجاكلين‭ ‬كيلين،‭ ‬ترجمة‭  ‬المصطفى‭ ‬صباني‭ ‬و‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬أبطي‭”. ‬وتعتبرجاكلين‭ ‬كيلين‭ ‬من‭ ‬الأقلام‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬حظها‭ ‬في‭ ‬المدونة‭ ‬العربية‭ ‬ولم‭ ‬تترجم‭ ‬كتبها،‭ ‬رغم‭ ‬تأليفها‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬كتابًا‭ ‬وإلمامها‭ ‬العميق‭ ‬بالحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭. ‬

تكمن‭ ‬قوة‭ ‬الكاتبة‭ ‬في‭ ‬إلمامها‭ ‬الكبير‭ ‬بالتصوف‭ ‬المسيحي‭ ‬والتصوف‭ ‬الإسلامي‭ ‬والجمع‭ ‬بينهما‭ ‬وتوظيفهما‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والظواهر‭ ‬المجتمعية‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬فردانية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الفراغ‭ ‬الروحي‭ ‬والاحتراق‭ ‬النفسي‭. ‬

من‭ ‬أجواء‭ ‬الكتاب‭ ‬نقدّم‭ ‬هذا‭ ‬المقتطف‭ ‬لقراء‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ” ‬خير‭ ‬مثال‭ ‬نسوقه‭ ‬على‭ ‬مثالب‭ ‬الرغبة‭ ‬المستنفِدة‭ ‬للشهوات؛‭ ‬قصة‭ ‬ميداس‭ (‬Midas‭)‬،‭ ‬ملك‭ ‬فْرِجْيا‭ (‬Phrygie‭) ‬الذي‭ ‬قدَّم‭ ‬خدمة‭ ‬جليلة‭ ‬للإله‭ ‬باخوس‭ (‬Bacchus‭)‬،‭ ‬فاقترح‭ ‬عليه‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬أن‭ ‬يحقِّق‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتمنَّاه‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكلِّف‭ ‬نفسه‭ ‬التفكير‭ ‬مليًّا‭ ‬فيما‭ ‬سيطلبه‭ ‬منه،‭ ‬تمنَّى‭ ‬ميداس‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬كلُّ‭ ‬ما‭ ‬يلامسه‭ ‬إلى‭ ‬ذهبٍ،‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬يتمالك‭ ‬نفسه‭ ‬فطارَ‭ ‬فرحًا‭ ‬لما‭ ‬اختبر‭ ‬قدراته‭ ‬الجديدة،‭ ‬فكلَّما‭ ‬التقط‭ ‬حجرًا‭ ‬أو‭ ‬قطف‭ ‬ثمرةً‭ ‬أو‭ ‬غمس‭ ‬يديه‭ ‬في‭ ‬الماء‭… ‬إلَّا‭ ‬وتحوَّل‭ ‬كلُّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬إلى‭ ‬ذهبٍ‭ ‬خالصٍ‭ ‬سواء‭ ‬صلبًا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬سائلًا‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬اشتدَّ‭ ‬جوعه‭ ‬وطلب‭ ‬من‭ ‬خدمه‭ ‬ألذَّ‭ ‬الطَّعام‭ ‬حتَّى‭ ‬أدرك‭ ‬فداحة‭ ‬أمنيته،‭ ‬فكلَّما‭ ‬امتدَّت‭ ‬يده‭ ‬أو‭ ‬اقترب‭ ‬فمه‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬إلَّا‭ ‬واستحال‭ ‬إلى‭ ‬معدنٍ‭ ‬ثمين‭ ‬لا‭ ‬يُؤكل‭. ‬هكذا‭ ‬أدرك‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭ ‬أنَّه‭ ‬محكوم‭ ‬عليه‭ ‬بالموت‭ ‬جوعًا‭ ‬من‭ ‬جرَّاء‭ ‬طَمَعِهِ‭ ‬المفرط،‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬حينئذ‭ ‬غير‭ ‬التوسُّل‭ ‬إلى‭ ‬راعيه‭ ‬باخوس‭ ‬ليخلِّصه‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬هذه‭ ‬النعمة‭ ‬المسمومة‭. ‬لكن‭ ‬مغزى‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬ودروسها‭ ‬كانت‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتعلَّم‭ ‬حكمتها،‭ ‬فبعد‭ ‬وقت‭ ‬قصيرٍ‭ ‬فقط،‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬ورطة‭ ‬اختبارٍ‭ ‬آخر‭ ‬لمَّا‭ ‬نُصِّبَ‭ ‬حكَمًا‭ ‬في‭ ‬مسابقة‭ ‬موسيقيَّة‭ ‬جرت‭ ‬أطوارها‭ ‬بين‭ ‬أبولون‭ (‬Apollon‭) ‬السماوي‭ ‬وبان‭ (‬Pan‭) ‬الأرضي،‭ ‬لينحاز‭ ‬في‭ ‬حكمه‭ ‬أخيرًا‭ ‬إلى‭ ‬إله‭ ‬الناي‭ ‬الأرضي،‭ ‬فكان‭ ‬جزاؤه‭ ‬بأن‭ ‬نبتت‭ ‬له‭ ‬أذنَا‭ ‬حمارٍ،‭ ‬فأمضى‭ ‬الوقت‭ ‬محاولًا‭ ‬إخفاءهما‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬تاجه‭ ‬الملكي‭.‬

ليس‭ ‬ميداس‭ ‬مجرَّد‭ ‬رمزٍ‭ ‬للجهل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬للغباء‭ ‬ذاته،‭ ‬فهو‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُستكمل‭ ‬تهذيبه‭ ‬قطُّ،‭ ‬لأنَّه‭ ‬ما‭ ‬انفكَّ‭ ‬يهرول‭ ‬دونَما‭ ‬تروٍّ‭ ‬أو‭ ‬تفكيرٍ‭ ‬نحو‭ ‬اللَّذَّات‭ ‬العابرة‭ ‬والمظاهر‭ ‬الخادعة‭. ‬إنَّ‭ ‬ميداس‭ ‬هو‭ ‬كلُّ‭ ‬واحدٍ‭ ‬منَّا‭ ‬سريع‭ ‬الانقياد‭ ‬للأهواء‭ ‬والطامع‭ ‬في‭ ‬التملُّك‭ ‬والسُّلطة،‭ ‬فهو‭ ‬ذلك‭ “‬الملك‭ ‬المفعم‭ ‬بالبؤس‭” ‬كما‭ ‬صوَّره‭ ‬باسكال‭ (‬Pascal‭). ‬فهذه‭ ‬الرغبات‭ ‬المدمِّرة‭ ‬تقضي‭ ‬على‭ ‬الكائن،‭ ‬لأنَّها‭ ‬تعيق‭ ‬الحكمة‭ ‬التي‭ ‬يمثِّلها‭ ‬إله‭ ‬الشمس‭ ‬أبولون،‭ ‬كما‭ ‬تحُول‭ ‬دون‭ ‬الرضا‭ ‬بنعمة‭ ‬بساطة‭ ‬الطعام‭ ‬وطيبته‭. ‬وهكذا،‭ ‬يجسد‭ ‬ميداس‭ ‬الروح‭ ‬الجشعة‭ ‬الطمَّاعة‭ ‬التي‭ ‬تعمي‭ ‬بصيرة‭ ‬الإنسان‭ ‬وتقوده‭ ‬حتمًا‭ ‬إلى‭ ‬حتفه‭.”‬

‫شاهد أيضًا‬

المجلة الثقافية المستقلّة «الاحساس»، مولود ثقافي جديد من أجل حضور أوسع للفن المعاصر: قريبون لكن بعيدون، ما الذي يجمعنا، وما الذي يفرّقنا؟

في‭ ‬زمن‭ ‬الرقميات‭ ‬يصدر‭ ‬العدد‭ ‬الأوّل‭ ‬من‭ ‬المجلة‭ ‬الورقيّة‭ ” ‬الاحساس‭…