2026-04-05

في الذكرى الـ26 لرحيله.. لماذا صمد الإرث البورقيبي؟

تمرّ هذه الأيام الذكرى الـ26 لرحيل أول رئيس للجمهورية التونسية، الزعيم الحبيب بورقيبة ذات 6 أفريل من سنة 2000، ومنذ تلك اللحظة ما يزال «المجاهد الأكبر» يملأ الدنيا ويشغل الناس تماما كما كان الحال إبّان حياته، فخصومه و«أتباعه» في الداخل والخارج كانوا كثرا قبل الاستقلال وبعده، ومع ذلك وجد نفسه في لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، لحظة 7 نوفمبر 1987على الهامش، في حالة استثناء بلغ الأمر بالبعض وصفها بحالة «الأسر» و«الإقامة الجبرية» على يدي أقرب «أبنائه».

ومثلما حالت عملية التعتيم على جنازته دون احترام هيبة الدولة واحترام رموزها، وفشلت محاولات محو أثر الرجل في الواقع على امتداد عقدين ونيف، ها نحن نستحضر ذكراه اليوم، ليس احتراما للذاكرة الوطنية فقط أو الاستثمار في شخصه أو البكاء على الأطلال، وإنما تقديرا لما قدمه الحبيب بورقيبة للوطن، وردّ اعتبار لذاته وجبر ضرر معنوي عمّا تعرّض ويتعرض له من نكران وتجنّ من جهة، ومن جهة ثانية من «استغلال» وتوظيف واستثمار.

ومهما يكن الأمر، فإن كل ما أشرنا إليه يفضي الى حقيقة واحدة ثابتة وهي أن إرث بورقيبة ما يزال صامدا ويجوز للتونسيين أن يتحسّروا على إهدار الكثير منه، على أن الأهم في تقديرنا استخلاص الدروس والعبر فتاريخ الشعوب والدول يُبنى على قاعدة مراكمة الايجابيات والانجازات مقابل علاج الوهن والنقائص والاخلالات.

إننا جميعا اليوم، عندما نتحدث عن المرأة، عن التعليم، عن الصحة، عن الخدمات الاجتماعية كلّنا نستشهد رغم أنوفنا بالزعيم الحبيب بورقيبة ونزايد في نفس الوقت ببصمته الظاهرة ونتحسّر على القصور والتقصير في الحفاظ عليها.

وقد تعزّزت هذه الصورة بعد ملحمة 17 ديسمبر 2010 ـ 14 جانفي 2011 غير المكتملة وما لحق بالبلاد من تهرئة وأضرار، وفشل منظومات الحكم المتعاقبة في تحقيق الشعارات التي رفعها التونسيون أنذاك، وأصبح بورقيبة وضريح بورقيبة تحديدا مصدرا لشرعية  ضرورية سواء كانت هدفا وتعبيرا عن قناعة صادقة أو «لغاية في نفس يعقوب» كما يقال.

وبالعودة إلى إرث بورقيبة، يحسب له أولا أنه التقط على الوجه الأكمل الفرصة التاريخية التي أتيحت أمامه بعيد الاستقلال مباشرة فاستند الى إرث زعماء الاصلاح والحركة الوطنية والنقابية وتحدّى المجتمع التقليدي المحافظ حتى النخاع فثوّر نظام الحكم وقلب الملكية المنهكة الضعيفة المتسببة في الاستعمار المباشر لبلادنا بالجمهورية التي ما تزال صامدة إلى اليوم رغم ما شابها من وهن وما تعرضت له من هزّات.

ثانيا، لقد أولى «الرئيس» في إطار ما أعلنه من «جهاد أكبر» الأولوية لتثوير نظم التعليم والتربية والصحة والأسرة وغيرها، فانتشرت في ربوع الجمهورية الجديدة المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز الصحة الأساسية والمستشفيات والمسالك والطرقات ونهضت الادارة التونسية على أيدي الكفاءات الوطنية ووصلت الخدمات الى الجميع، في الشمال والجنوب في الشرق والغرب وانحسرت بفضل ذلك الجهويات والعروشية وتقلص التواكل ولم نكن بحاجة يومها إلى المؤسسات المالية أو الدول الشقيقة والصديقة!

ثالثا، لا يختلف اثنان في أن نقطة ضعف التجربة البورقيبية هي علاقته بالديمقراطية، ولسنا نبالغ حين نعيد التوصيف الأنسب الذي ارتأيناه للحبيب بورقيبة، فهو «المجاهد المستبد» كما كتبنا ذات يوم، جاهد ضد الجهل والأمية والتطرف والتشدد الديني والفقر والأوبئة والتمييز ضد المرأة والأجانب أيضا، لكنه في النهاية قدّم صورة الحاكم المتحفظ كي لا نقول المعادي للديمقراطية في بيئة شرقية تكبّلها «طبائع الاستبداد» ومع ذلك كان حريصا على الوحدة الوطنية التي جنّبتنا انهيار الدولة الوطنية في أكثر من مناسبة.

ورغم أن بورقيبة كان أول من تحدّث عن الأمة التونسية، فإن ذلك لا يعني حسب رأينا أنه يؤسس لدولة قومية منغلقة بقدر ما كان يراهن على بناء قدرات هذه الدولة وتحفيز أبنائها على المشاركة في ذلك دون حسابات، وكان ذلك ايضا في سياق منافسة مكشوفة مع زعيم عربي آخر في المشرق ونقصد به جمال عبد الناصر.

رابعا، لقد صمدت الوحدة الوطنية إلى حد كبير وتم التعبير عنها أحيانا بالجبهة القومية التي ضمت حزب بورقيبة، الحزب الاشتراكي الدستوري، والاتحاد العام التونسي للشغل القوة الاجتماعية الكبرى التي  ساهمت في صناعة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، ورغم علاقه المد والجزر بين الطرفين فإن مصلحة الوطن كانت فوق كل اعتبار ونستحضر هنا موقف المنظمة الشغيلة سنه 1985 وهي في أوج معركتها مع السلطة، حين تراجعت إلى الوراء وأعلنت حالة الطوارئ النقابي الوطني في وجه النظام الليبي الذي اتخذ اجراءات عقابية شديدة إزاء عشرات الآلاف من التونسيين وأقدم على طردهم من القطر الشقيق.

وفي المحصّلة، ولئن أخطأ بورقيبة في حسن اختيار لحظة الخروج من الحكم وغالط نفسه بفكرة الخلود، يحسب له أنه «حرم» خصومه من أن يسجّلوا نقاطا على حسابه في علاقة بأرصدته وأملاكه وسلوكه، علاوة على نقاط القوة في إرث حكمه، ولذلك نقول دائما أنه عرف كيف يدخل التاريخ رغم ضيق الجغرافيا ورغم كل شيء.

رحم الله الحبيب بورقيبة.

‫شاهد أيضًا‬

‎الكنيست الصهيوني «يشرّع» إعدام الأسرى الفلسطينيين ‎إمعان في الإبادة والتطهير العرقي

‎لم تكن مصادفة مصادقة الكنيست الصهيونيّ في ساعة متأخرة من يوم الاثنين 30 مارس 2026 على قان…