2026-04-05

مع تفافم أزمة الطاقة العالمية : تونس تعزز التوجه نحو الطاقات البديلة

يشهد العالم هذه الفترة أزمة طاقية متصاعدة نتيجة التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الدائرة في الشرق الأوسط والخليج. وقد أدّت هذه الحرب إلى اضطراب الإمدادات العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتكرير، مما تسبب في قفزة غير مسبوقة في أسعار النفط، حيث تجاوز سعر خام برنت عتبة 110 دولارات للبرميل بعد أن كان في حدود 70 دولارًا قبل الأزمة. مما انعكس بدوره على أسعار الوقود بمختلف أنواعه، من بنزين وديزل.

وفي هذا السياق، سارعت عدة دول إلى مراجعة سياساتها الطاقية، حيث شهدت دول عربية مثل الإمارات وقطر والأردن وفلسطين زيادات متزامنة في أسعار الوقود، في محاولة لمواكبة ارتفاع كلفة التوريد. ولم تقتصر هذه الإجراءات على تعديل الأسعار فقط، بل اعتمدت بعض الحكومات، على غرار مصر، سياسات تقشفية واسعة لترشيد الطاقة، تشمل تقليص الإنارة العامة وتقييد النشاط التجاري بغلق المحلات والورش الصناعية في التاسعة مساءً.  َوفي حقيقة الأمر، لا تعد تونس بمنأى عن هذه الأحداث وما خلفته من تغيرات في القطاع الطاقي على مستوى العالم بل قد تبدو، على مدى طويل، تداعيات هذه الأزمة أكثر حدّة بحكم محدودية هذا القطاع واعتمادها الكبير على التوريد.

فهده التوترات الجيوسياسية لا تؤثر على تونس بشكل مباشر، ولكنها تؤثر عبر السوق العالمية، حيث ترتفع أسعار النفط ومشتقاته. فقد كشف تقرير لمنظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة «أونكتاد» تراجع عبور السفن عبر مضيق هرمز بنسبة 97%، ارتفاع أسعار النفط بنسبة 27% وزيادة أسعار الغاز المُسال بنسبة 74%، وهو ما قد يضاعف كلفة توريد هذه المنتجات الحيوية .

وبما أن تونس تستورد جزءًا كبيرًا من حاجياتها من الطاقة، فإن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى تضخم فاتورة الطاقة، وبالتالي زيادة الضغط على احتياطي العملة الصعبة وتفاقم عجز الميزان التجاري.كما أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالميًا ينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء في تونس، باعتبار أن هذا المصدر يمثل حوالي 95% من مزيج التوليد. وهذا يعني أن كلفة إنتاج الكهرباء ترتفع، مما يضع الدولة أمام خيارين صعبين: إما الترفيع في أسعار الكهرباء، أو مواصلة دعمها وتحمل أعباء مالية إضافية تثقل كاهل الميزانية.إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الحرب قد يؤدي إلى اضطرابات في الإمدادات أو صعوبات في التزود، خاصة مع اشتداد المنافسة بين الدول المستوردة على الموارد الطاقية. وهذا من شأنه أن يهدد الأمن الطاقي لتونس ويجعلها أكثر عرضة للصدمات الخارجية بسبب تراجع إنتاجها المحلي، حيث تؤكد المعطيات تراجع إنتاج النفط إلى حوالي 25 ألف برميل يوميًا فقط سنة 2025 بعد أن كان يفوق 28 ألف برميل في السنة السابقة، أي بتراجع يقارب 12%، كما تراجع إنتاج الغاز التجاري بنسبة تتراوح بين 7% إلى 10% خلال الفترة نفسها نتيجة النضوب الطبيعي للحقول وغياب اكتشافات جديدة. كما لم تعد الاحتياطيات النفطية تتجاوز 425 مليون برميل فقط، وهو مستوى محدود مقارنة بذروة بلغت 2.5 مليار برميل في بداية الثمانينيات.  ولان مآل هذه الأحداث غير معروفة وتأثيرها الاقتصادي سيصبح مع مرور الوقت «واقعا ملموس»، فقد أصبحت تونس مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة. فهذه الأخيرة تمثل حلاً استراتيجيًا لتقليص التبعية للخارج، خاصة أن البلاد تتمتع بإمكانيات هامة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. فهذا التوجه من شأنه أن يُحسن من مؤشر الاستقلالية الطاقية الذي لا يتجاوز حاليًا حوالي 35%. كما يوفّر هذا التحول فرصة لتقليل العجز الطاقي الذي ارتفع إلى أكثر من 6 ملايين طن مكافئ نفط سنة 2025.  ولئن بدأت تونس واعية بهذا التحول منذ مدة، حتى قبل أن تبدأ الحرب، وسارعت بإنجاز حزمة من المشاريع على غرار دخول محطة القيروان للطاقة الشمسية حيز الإنتاج بقدرة تناهز 120 ميغاواط، فالطرف العالمي يتطلب التسريع في تنفيذ بقية المشاريع. فتونس تسعى إلى ترفيع طاقة إنتاجها عبر مشاريع إضافية تُقدّر طاقتها بحوالي 1700 ميغاواط في المدى المتوسط، تشمل محطات شمسية ورياح مبرمجة للدخول التدريجي إلى الخدمة قبل سنة 2030. كما تتجه البلاد إلى تطوير مشاريع استراتيجية في مجال الهيدروجين الأخضر وربط الشبكة الكهربائية مع أوروبا.

وفي خصم هذه الأحداث الجارية وما قد يتكبده الاقتصاد الوطني من خسائر جراء تواصل ارتفاع أسعار المنتجات الطاقية، فإن تسريع إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة أو البديل لم يعد خيارًا بقدر ما هو ضرورة اقتصادية وأمنية تفرضها التحولات العالمية.

‫شاهد أيضًا‬

ارتفعت إلى 3.58 مليار دينار: تحويلات التونسيين بالخارج والعائدات السياحية تعززان موارد خزينة الدولة

سجّلت تونس إلى غاية 31 مارس 2026 ارتفاعًا في تدفقات العملة الصعبة القادمة من تحويلات التون…