في ذكرى رحيله : بورقيبة شخصية فذة راوحت بين الحنكة السياسية والإصلاح الاجتماعي
يحي التونسيون اليوم ذكرى رحيل الزعيم الحبيب بورقيبة وهي ذكرى توقظ في الوجدان التونسي محطات حاسمة من تاريخنا المعاصر لاسيما لحظة بناء الدولة الوطنية الحديثة، وتدفع إلى استحضار إرث رجلٍ قاد معركة الاستقلال ثم انصرف إلى معركة أشدّ عمقًا: معركة بناء الإنسان.
ولا يقتصر الاستحضار على البعد العاطفي أو الرمزي، بل يتجاوز ذلك إلى قراءة متأنية في مشروع رجلٍ أعاد تشكيل ملامح الدولة والمجتمع في تونس. فقد كان بورقيبة قائدًا سياسيًا فذّا ، جمع بين حنكة الزعيم الوطني ورؤية المصلح الاجتماعي، فقاد البلاد من ربقة الاستعمار إلى أفق الدولة الحديثة، واضعًا الإنسان في قلب كلّ السياسات…
فالمشروع التحديثي الرائد للزعيم بورقيبة كان رؤية متكاملة لإرساء دولة حديثة تقوم على العقلنة بالمعنى الحديث لهذا المصطلح وعلى والتعليم، والمواطنة. فقد أدرك مبكرًا أنّ الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بتحرير العقول، فجعل من التعليم ركيزة أساسية في مشروعه الإصلاحي. وفي هذا الإطار، تمّ تعميم التعليم وتوحيد برامجه، وإرساء مدرسة عمومية أصبحت بمثابة المصعد الاجتماعي الذي أتاح لأبناء الشعب التونسي من مختلف الفئات والجهات ة فرصة الارتقاء والمعرفة، وهو ما ساهم في تكوين نخب وطنية قادت لاحقًا مسيرة التنمية في مختلف المجالات..
والأكيد ان أبرز محطات هذا المشروع التحديثي البورقيبي هو بلا منازع مجلة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1956، التي مثّلت ثورة تشريعية غير مسبوقة في العالم العربي. فقد ألغت تعدد الزوجات، ونظّمت الطلاق، وكرّست جملة من الحقوق للمرأة، لتصبح تونس بذلك نموذجًا رائدًا في مجال تحرير المرأة وتمكينها. وبقدر ما كان هذه التشريعات إصلاحا قانونيا كانت أيضا خيارًا مجتمعيًا يعكس قناعة عميقة بأنّ تطور البلاد لا يمكن أن يتحقق دون ان تصبح المرأة شريكا فاعلا في البناء والتنمية.
وقد أدرك بورقيبة أنّ هذا البناء لا يمكن أن يتحقق دون تفكيك البنيات التقليدية التي كانت تعيق التحديث، وتعويضها بمؤسسات عصرية تستند إلى القانون.
كما عمل اول رئيس للجمهورية التونسية على ترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، من إدارة وقضاء وتعليم وصحة، واضعًا أسس دولة مركزية قوية تسعى إلى تحقيق التوازن بين مختلف الجهات. ورغم ما رافق تلك المرحلة من تحديات واختيارات مثيرة للجدل فإنّ أثرها ظلّ حاضرًا في ملامح الدولة التونسية إلى اليوم..
إذن احياء ذكرى رحيل الزعيم بورقيبة تاريخية، بل هو مناسبة لإعادة التفكير في مشروع الدولة الوطنية، واستلهام قيم العمل والاجتهاد والإيمان بالذات بالقدرة على التغيير وتعزيز حس الانتماء . فبين الأمس واليوم، يبقى السؤال مطروحًا: كيف يمكن إعادة توظيف ذلك الإرث الإصلاحي لمواجهة تحديات الحاضر وبناء المستقبل.
تماما كما ان إرث بورقيبة الحاضر في تفاصيل الحياة اليومية للتونسيين: من المدرسة العمومية، الى مكانة المرأة ومكاسبها ، وفي مؤسسات الدولة يطرح علينا اليوم وربما اكثر من أي وقت مضى أسئلة ملحّة عن كيفية تطويره وتحيينه في ظلّ التحولات الراهنة وإعادة التوهج اليه.
المرتفعات الغربية تلتحف برداء الثلج: حين يتحول الجمال الى محنة تثقل كاهل المنسيّين
ونحن نتابع تقلبات الطقس ونستبشر بتهاطل الامطار وامتلاء السدود وننتشى بجمال الرداء الثلجي ا…












