«الأهم هو أن يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة ومحمية.. الأرقام والمؤشرات تبقى دون جدوى إن لم تنعكس بشكل ملموس على الحياة اليومية..»، هذه هي خلاصة الموقف الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة وجدّد التأكيد عليه أمس الاثنين على هامش إشرافه بروضة آل بورقيبة بالمنستير على إحياء الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة، أبرز قادة الحركة الوطنية وأول رئيس للجمهورية في دولة الاستقلال.

ولئن اكتسى حديث رئيس الجمهورية أهميته في اللقاء الإعلامي بالمناسبة، في ما بشّر به من اقتراب الزيادة في الأجور والدعوة إلى الإسراع بإصدار النصوص الترتيبية المتعلقة بها، والتأكيد على حق التونسيين في حياة كريمة تعني في ما تعنيه تحسين المرافق العمومية وخدمات الصحة والتعليم والنقل، فإنّ اللافت أيضا التوقف عند شرطين أساسيين لقيام الدولة الاجتماعية وتحصينها.

إنّ الدولة الاجتماعية المستقرّة التي يطيب فيها العيش تحتاج الى الاستثمار، والاستثمار لا يحتاج فقط الى ضمانات وتسهيلات قانونية وامتيازات جبائية ولكن إلى مناخ عام لدولة «يعمّ فيها العدل وينتفي منها الظّلم».

وهنا تحدّث رئيس الجمهورية عن تواصل جهود الدولة لمكافحة شبكات الاحتكار وكل من يسعى إلى الإضرار بالمواطنين، وهو ملف قديم جديد يعود إلى ما قبل سنة 2010 «دون تحقيق النتائج المرجوة» للأسف لأننا إزاء تركة ثقيلة لا تزال «معاول الهدم» عابثة فيها.

ومرّة أخرى يعلن ساكن قرطاج أنّ الدولة عازمة على الدخول في مرحلة جديدة لبناء تونس جديدة تستجيب لتطلعات التونسيين وتطبّق فيها القوانين بما يضمن العدالة والإنصاف دون تنكيل وهذه رسالة قوية في تقديرنا الى الجهات الأمنية والقضائية كي لا تجنح للتشدّد والتعسّف في تطبيق القانون بحجة أن الرئيس يريد ذلك، فهو يدعو اليوم بوضوح لـ«عدم التنكيل» علاوة على أن الأصل في الأشياء احترام وتفعيل مبدإ قرينة البراءة.

إن براءة مواطن بعد فترة من سلب حريته، وسحله في الفضاء الافتراضي وتشويهه أمام أهله وذويه تصبح بلا معنى الى جانب كون ذلك يضاعف الضغط العالي على مرفق القضاء ويعرّض العدالة للخطر، وحتى بالنسبة إلى من تثبت إدانته فهناك معايير للمحاكمة العادلة وهناك مبدأ التناسب بين الفعل الاجرامي والعقوبة، وهذه جميعها دروس لطالما قدّمها الأستاذ قيس سعيّد في الجامعة على امتداد عقود.

أما الشرط الثاني الذي نقف عنده في طرح رئيس الجمهورية، فهو مرة أخرى المؤسسات العمومية التي هي العمود الفقري للدولة الاجتماعية، ورغم ما تمرّ به من صعوبات كي لا نقول من دمار، فإن «وجود كفاءات وطنية قادرة على إنقاذها رغم الصعوبات التي تعيشها» حقيقة لا لبس فيها.

لقد نجت مؤسسات ومنشآت كثيرة من التفويت لحسن الحظ مثل ملعب المنزه والصيدلية المركزية والناقلة التونسية ووكالة التبغ وغيرها، وبيّن التاريخ أن حال أخرى تحسّن بعد خوصصتها وهو ما يؤكد أن المشكل ليس في طبيعة المؤسسة أو المنشأة بقدر ما هو مرتبط بالحوكمة وبالمناخ العام للعمل في البلاد.

لقد أوضح رئيس الجمهورية مقوّمات الدولة الاجتماعية بوضوح وأكد أنّ تونس قادرة على تجاوز التحديات وتحقيق تطلعات شعبها في إطار دولة اجتماعية عادلة تضمن الكرامة والحقوق لجميع المواطنين، وهذا الإقرار يكتسي أهميته من انتظارات التونسيين أولا، وثانيا من تحديات الأوضاع الوطنية والاقليمية والدولية التي اقل ما يقال فيها انها ليست على ما يرام.

‫شاهد أيضًا‬

في الذكرى الـ26 لرحيله.. لماذا صمد الإرث البورقيبي؟

تمرّ هذه الأيام الذكرى الـ26 لرحيل أول رئيس للجمهورية التونسية، الزعيم الحبيب بورقيبة ذات …