2026-04-08

مشروع «الهجرة المهنية الآمنة»: أنموذج عملي للهجرة الدائرية المنظمة وآلية لتعزيز التنمية المتبادلة

أطلق الجانبان التونسي والفرنسي المرحلة الثانية من مشروع الهجرة المهنية الآمنة بين تونس وفرنسا الذي يأتي بدعم من الاتحاد الأوروبي وتنفيذ مشترك بين الجهات الفرنسية المختصة بالهجرة والاندماج ووزارة التشغيل والتكوين المهني.

ويمثل هذا البرنامج امتدادا طبيعيا لجهود سابقة بدأت سنة 2022 وتستمرّ حتى سنة 2030 ضمن إطار شراكة أوسع لتنقل الإطارات المهنية بين تونس وعدد من الدول الأوروبية ضمن مشروع أشمل يعمل على تشجيع الهجرة القانونية المنظمة من خلال مطابقة دقيقة بين الكفاءات التونسية واحتياجات سوق الشغل الفرنسية في قطاعات حيوية مثل الفلاحة والرعاية الصحية والنقل واللوجستيك والصناعة والسياحة وغيرها من المهن كما أنه يدعم تطوير التكوين المهني وآليات التنبؤ باحتياجات السوق ويضمن عودة المهارات لتحقيق فائدة مشتركة للبلدين والمهاجرين أنفسهم.

وحسب التجارب السابقة ينتظر أن تكون شروط التقديم في المرحلة الجديدة وجوب أن يكون العمر المطلوب يتراوح بين 18 و35 سنة بالإضافة إلى أن يكون المتقدم حاصلا على شهادة مهنية أو خبرة مثبتة في القطاعات المطلوبة مع اجتياز اختبار كفاءة مهنية عند الاقتضاء كما يُشترط مستوى متوسط في اللغة الفرنسية للقراءة والكتابة على أن يتم التقديم عبر مكاتب الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل أو منصتها الإلكترونية.

وبالعودة لهذا البرنامج فإنه يقدم تكوينا تكميليا قبل السفر وتأمينا صحيا واجتماعيا ودعما للاندماج مع التزام العودة بعد انتهاء العقد الذي يتراوح عادة بين ثلاثة أشهر وثمانية عشر شهرا وتجدر الإشارة في هذا السياق، أن المرحلة الأولى من البرنامج قد أسفرت عن نتائج إيجابية ملموسة ساهمت في تعزيز الثقة بين الشركاء مما سمح بفتح آفاق أوسع للمرحلة الجديدة ففي قطاع صناعة البلاستيك على سبيل المثال استفاد خمسة وعشرون شابا تونسيا من تكوين متخصص أدى إلى حصولهم على شهادة تأهيل مهني معترف بها مما مكن بعضهم من الحصول على فرص عمل في تونس وبعضهم الآخر من الالتحاق بوظائف في فرنسا.

كما ساهمت البرامج في تدريب مئات المسؤولين والمستشارين في الوكالة الوطنية للتشغيل والباحثين عن فرص العمل وأسست قواعد بيانات إدارية وأدوات توعية حول فرص التوظيف العادل وأدى ذلك إلى تسهيل إنجاز وإبرام آلاف عقود العمل القانونية سواء كانت موسمية أو قصيرة الأجل لتونسيين في فرنسا كما كانت لهذه النتائج انعكاسات إيجابية متعددة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فعلى المستوى الاقتصادي في تونس فإن هذا البرنامج ساهم في التقليل من البطالة بين الشباب بما أتاحه لبعضهم وسيتيحه لهم في المستقبل من فرص عمل وهو بدوره ما سيحوّل الهجرة إلى مصدر للتحويلات المالية والمهارات العائدة مما سيكون سببا مباشرا في دعم التنمية ويمنع نزيف هجرة الأدمغة الدائمة أما في الضفة الأخرى في فرنسا فمن فوائد هذا البرنامج أن سدّ النقص الحاد في اليد العاملة المؤهلة في قطاعات إستراتيجية والتي تعاني من تهرّم السكان ونقص المهارات المختصة مما أسهم في دعم نموها الاقتصادي وحافظ على القدرة التنافسية للمؤسسات هناك.

وكذلك الشأن على المستوى الاجتماعي إذ يضمن البرنامج حقوق المهاجرين من خلال التكوين والحماية والاندماج الآمن مما يقلل من مخاطر الاستغلال ويعزز الاستقرار العائلي أما على المستوى السياسي فيشكل هذا النموذج مثالا يحتذى به لشراكات المواهب الأوروبية ويعزز الثقة المتبادلة بين تونس وفرنسا والاتحاد الأوروبي ككل إذ يساهم في تقليل ضغوط الهجرة غير النظامية عبر توفير قنوات قانونية منظمة.

وبالإضافة إلى كل ما سبق ذكره فإن أهم ما يتميز به هذا البرنامج هو طابعه الدائري والمنظم الذي يركز على التكوين المشترك قبل السفر والعودة الإلزامية بعد فترة العقد وبالمقارنة بينه وبين برنامج ألمانيا للهجرة الماهرة فإن هذا الأخير الذي أُقِرَّ سنة 2020 يسهل دخول أصحاب المهارات دون الحاجة إلى شهادات جامعية عالية لكنه يميل إلى عقود طويلة الأمد وإمكانية الإقامة الدائمة بينما يحافظ البرنامج التونسي الفرنسي على التوازن بين التنقل المؤقت والفائدة المتبادلة كما أن برنامج ألمانيا للهجرة الماهرة يستهدف قطاعات محددة ونذكر على سبيل المثال توظيف الممرضين في حين أن البرنامج الفرنسي يتميز بالتنوع الواسع الذي يشمل الفلاحة والنقل والسياحة وغيرها كما توجد برامج أخرى منظمة تهتم بالهجرة وعقود الشغل في عديد الدول الأوروبية ولكن بعضها يركز على المهارات العالية جدا برواتب مرتفعة بينما يوجّه هذا المشروع الجهد نحو المهن المتوسطة والحرفية التي تعاني نقصا حقيقيا.

في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها بلادنا وخصوصا تفشي ظاهرة البطالة بين الشباب والحاجة الأوروبية إلى يد عاملة يمثل هذا المشروع نموذجا عمليا للهجرة الدائرية المنظمة فهو يحوّل الهجرة من ظاهرة إلى أداة تنموية متبادلة تعزز التنسيق الإداري وتفتح آفاقا حقيقية للشباب التونسي المؤهل ومع اقتراب موعد الإطلاق الرسمي من المتوقع الإعلان قريبا عن تفاصيل إضافية حول الدورات والانتدابات ويبقى النجاح مرهونا باستمرار التنسيق بين الجهات التونسية والفرنسية وضمان جودة التكوين وحماية المستفيدين من هذا البرنامج الذي يجسد شراكة طويلة الأمد تعتمد على الثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة ويرسي أسس تعاون مشترك يعود بالنفع على الجميع.

‫شاهد أيضًا‬

الوحدات الأمنية تكثّف من عملياتها للتّصدي للإحتكار والمضاربة مكافحة الإحتكار سياسة دولة راسخة وليست حملة ظرفية

ظاهرة الاحتكار والمضاربة بما هي كما عرّفها المرسوم عدد 14 لسنة 2022 بأنها كل تخزين أو إخفا…