اليوم تونس تحتفل بعيد الشهداء (9 أفريل 1938) المجد للشهداء والعزّة لتونس..
في التاسع من أفريل من كل عام، تُحيي تونس ذكرى عيد الشهداء لا كذكرى تاريخية فحسب، بل كالتزام أخلاقي راسخ وكعهد إنساني خالد وكواجب وطني مقدّس يتجدد كل عام لتجسيد أسمى معاني الوفاء والتضحية والصمود.
ففي ذلك اليوم المجيد من عام 1938، واجه الشعب التونسي الاستعمار الفرنسي بصدور عارية في شوارع تونس وساحة الحلفاوين، مطالبين بالحرية والكرامة وبضرورة تأسيس برلمان وطني وسالت دماء الشهداء زكية طاهرة وتحولت المظاهرات السلمية إلى منعرج حاسم في تاريخ النضال الوطني إذ تحوّلت المطالب الإصلاحية إلى صرخة مدوّية مطالبة بالاستقلال الشامل، وهو ما مهّد الطريق لثورة التحرير الكبرى التي أثمرت استقلال تونس سنة 1956.
وتظل رمزية إحياء هذه الذكرى تتجاوز مجرد التذكر والاحتفال لتصبح محطة فارقة للاستلهام والالتزام ومزيد البذل والعطاء فشهداء تلك الملحمة الخالدة لم يرتقوا ليُكرموا بالزهور والخطب فقط، بل ليبقى الوطن حرّا سيّدا ومنيعا، ولتبقى تونس في مصاف الدول المستقلة القادرة على صناعة قرارها الوطني بكل سيادة فالاحتفال إذن ليس مجرد طقس سنوي شكلي، بقدر ما يجب أن يكون استجابة حية وملموسة لمطالب من استشهدوا من أجل تحقيقها.
فإلى جانب كونه عيدا وطنيا رسميا، يُحتفل به بموكب رسمي في روضة الشهداء بالسيجومي، حيث يضع رئيس الجمهورية إكليلاً من الزهور أمام النصب التذكاري، وتُتلى الفاتحة على أرواحهم الطاهرة، وتُؤدَّى تحية العلم على أنغام النشيد الوطني، فإن قصة نضال أبناء هذا الشعب قد أُدرجتْ في المناهج التعليمية، وأُنشئت نصب تذكارية في مختلف الجهات تحفظ ذكراهم وعربون وفاء لدمائهم الزكية وكعهد على الالتزام بنهجهم وأصبحت المناسبة لحظة وحدة وطنية تجمع مختلف الفئات والأجيال حول قيم مشتركة هي الحرية والكرامة والسيادة الوطنية.
ومع ذلك، فإن الوفاء الحقيقي للشهداء يتجاوز الاحتفال الشكلي إلى العمل الجاد والمستمر ولن يتحقق ذلك إلاّ بتحويل يوم 9 أفريل إلى محرك حقيقي لإنجازات ملموسة تجسّد مطالبهم في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ويتطلب الأمر دعم السيادة الوطنية الكاملة من خلال اعتماد سياسات اقتصادية جريئة تضمن التنمية الشاملة والعدالة المرجوّة، وبناء مؤسسات نزيهة وفعّالة في محاربة الفساد، وقضاء مستقل يحمي الحقوق والحريات، وتعليم نوعي عصري يبني أجيالاً واعية بتاريخها، مستشرفة لمستقبلها، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية دون خضوع أو تبعية.
كما أن الشعب الذي خرج موحَّداً ذات يوم في أفريل 1938 يجب أن يظل موحداً اليوم، صامداً أمام كل أشكال الانقسام والفتنة، لأن الفُرقة خيانة لدم الشهداء ولتضحيات الأجداد، هكذا يصبح تخليد ذكرى من استشهد أكثر عمقاً ورمزية، فتصبح الذكرى ليست مجرد يوم في التقويم، بل عقدا أخلاقيا يلزم كل تونسي وتونسية بأن يعمل كل يوم كأنه 9 أفريل.
فدماء الأجداد الزكية لن تذهب هدراً إذا تحولت تضحياتهم إلى واقع يومي ملموس في كل المجالات، في التعليم والاقتصاد، في الإدارة والعدالة، في الثقافة والإعلام وأن نجعل احتفالنا بها استجابة حية ومستمرة لندائهم، لتبقى تونس كما أرادوها وكما نريدها شعلة لا تنطفئ، وكرامة لا تُدنَّس، ومستقبلاً يليق بأرواحهم الطاهرة وبآمالنا المعقودة لأن دم الشهداء أمانة في أعناقنا، والوفاء لهم يكون ببناء وطن قويّ عادل مزدهر، يفخر بتاريخه ويصنع مستقبله بثقة وثبات وإصرار.
مشروع «الهجرة المهنية الآمنة»: أنموذج عملي للهجرة الدائرية المنظمة وآلية لتعزيز التنمية المتبادلة
أطلق الجانبان التونسي والفرنسي المرحلة الثانية من مشروع الهجرة المهنية الآمنة بين تونس وفر…





