في الوقت الذي تنفّست فيه المجموعة البشرية الصعداء بإعلان هدنة لم تكن سهلة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بجهود باكستانية ودعم صيني، اختار الكيان الصهيوني أن يَظْهر للعالم بوجهه القبيح المتوحّش ويبرهن مرّة أخرى أن العنف والدموية ومعاداة الإنسانية هي عقيدته الحقيقية التي يترجمها في شكل سلوكات عدائية عنيفة وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، وهو ما تفنّن فيه أمس الأربعاء 8 أفريل 2026 في أكثر من مدينة وقرية في لبنان وأسفر عن سقوط مئات الشهداء والجرحى.
ورغم أن هذه الهدنة، مدتها وشروطها ومبادئها وفق ما كشفته طهران وواشنطن، بشيء من الاختلاف النسبي، بعثت الأمل في فسح المجال لـ«لتقاط الأنفاس» وترتيب علاقات الطرفين في المرحلة القادمة على قاعدة درء التصعيد وعدم الاضطرار للعودة للحرب العسكرية على الأقل، فإن ما أقدم عليه الكيان الصهيوني يسقط ما بقي من أوراق التوت كما يقال، ويؤكد أن العدوان على إيران لم تكن له علاقة بدمقرطة هذا البلد ومساعدة شعبه، أو وضع اليد على مشروعه النووي فقط ولكن الهدف الرئيسي تدمير هذه القوة الاقليمية الصاعدة وفسح المجال لإقامة مشروع «اسرائيل الكبرى».
وما فعله الكيان الصهيوني أمس في لبنان، لا يمكن فصله عن طبيعة سلوك التمرد الذي يمتاز به رئيس الحكومة الفاشي ناتنياهو في تعامله «الطفولي» مع ساكن البيت الأبيض المهووس بالعظمة دونالد ترامب، لذلك فإن ما فعله «الابن الضّال» هو في نهاية المطاف محاولة لفصل لبنان عن مسار التهدئة والحال أن لبنان ومكونات محور المقاومة، واحدة من أبرز بنود الهدنة.
بعبارة أخرى، هي محاولة صهيونية لفرض أمر واقع يقفز على حقيقة مرّة بالنسبة إلى ناتنياهو وترامب، وهي أن الاهداف المرسومة للعدوان على إيران ولبنان والعراق واليمن لم تتحقق، وأن طهران وحلفاءها هي الجبهة المنتصرة سياسيا، رقم الخسائر البشرية والمادية.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول أن الكيان أراد التمايز مع واشنطن، والتنصل من الهدنة وإظهار أن الهزيمة كانت لترامب وأن ناتنياهو ما يزال في ميدان المعركة..!
وللأسف نجح ناتنياهو في التشويش على هدنة التقاط الأنفاس وأرغم الرئيس الأمريكي على القول أن اتّفاق وقف إطلاق النار مع طهران «لا يشمل لبنان» بسبب حزب الله، وهو ما ينفيه الوسيط الباكستاني وما جعل إيران أيضا تلوح بالانسحاب من اتفاق وقف إطلاق النار إذا استمر الهجوم الاسرائيلي على لبنان وأن القوات المسلحة الإيرانية حددت بعدُ أهدافاً للردّ المناسب.
يحدث كل هذا في الوقت الذي يقف فيه «أصدقاء لبنان» في موقف المتفرّج وتفشل المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية وفي مقدمتها جامعة الدول العربية التي أصبحت جسدا بلا روح ولا معنى.
في غضون ذلك، يتواصل غضب الصهاينة على حكومتهم التي فشلت في تحقيق أهدافها من وراء الدخول مع أمريكا في الحرب على إيران والحرب على لبنان في نفس الوقت، ويستغل معارضو ناتنياهو الخسائر البشرية والمادية في الكيان للهجوم عليه وتحميله نتائج هذه الحروب الخاسرة.
ونفس الشيء في الساحة الأمريكية، حيث بدأ التململ يدبّ في الشارع الأمريكي مع وصول صور توابيت القتلى من الجنود الأمريكيين من أرض المعركة، كما واصل الديمقراطيون إحراز تقدم وتأييد يشي بقلب المعادلات في الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي الخريف القادم، فالحرب لم تكن فسحة كما قال ترامب ولم تكن برقية وصادمة بل تحولت الى حرب استنزاف يسجل فيها الحرس الثوري الإيراني مكاسب جمّة على المستوى العسكري كما يسجل فيها النظام الايراني نقاطا مهمّة في العلاقة مع الشعب الإيراني الذي هبّ كرجل واحد ليكون درعا لمنشآته وبنيته التحتية في الوقت الذي كانت تدور فيه المفاوضات الصعبة لإيقاف الحرب والوصول الى الهدنة.
إنه من المفارقات أن تسارع العواصم العربية والدولية بالترحيب بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لمدة أسبوعين كما أعلنه في البدء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأكدته طهران ثم تصمت عن جريمة الكيان الصهيوني في لبنان ويتنصّل ساكن البيت الأبيض من نقاط بعينها في نص الاتفاق وأبرزها بطبيعة الحال كونه يشمل لبنان.
إننا في نهاية المطاف إزاء سلوك صبياني لا يليق بأكبر قوّة في العالم مسنودة بآلة قتل وحشية لم يشهد التاريخ البشري مثيلا لها، كما أننا أمام صمود أسطوري لشعوب إيران واليمن والعراق ولبنان بالخصوص الذي اعتاد الى جانب شعب فلسطين خوض المعارك نيابة على الإنسانية جمعاء، والصورة اليوم رغم قتامتها ورغم الدم المنسكب على الأرض العربية والإسلامية تؤكد أن ثمن الحرية والانعتاق باهظ لكنه ليس عزيزا على شعوب منتصرة لأنها منتصرة للحياة.
الدولة الاجتماعية ومتطلّباتها سيادة العدل وصون الحقوق..
«الأهم هو أن يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة ومحمية.. الأرقام والمؤشرات تبقى دون جدوى إن لم ت…







