2026-04-10

عدوان غاشم وانهيار داخلي غدته الأوضاع الإقليمية : لبنان في أتون حرب مفتوحة

لبنان اليوم يلملم جراحه ويدفن شهداءه وبيروت مجللة بالسواد وكل احباء هذا البلد الجميل يعلنون تعاطفهم معه ويأملون في سلام قريب ودائم يعمه. غير ان هذا لا يبدو ممكنا في المدى المنظور وفي ظل المحنة الحالية التي يعيشها اللبنانيون ويدفعون ثمنها من دمائهم وأمنهم. خاصة في السياقات الراهنة المشتعلة.

والأكيد ان ما يتعرّض له لبنان اليوم لا يمكن قراءته باعتباره معركة عسكرية عابرة، بل هو تعبير مكثّف عن أزمة متعددة الابعاد تتقاطع فيها الجغرافيا بالسياسة، وتتشابك فيها حسابات الداخل مع رهانات الإقليم. فالهجمات التي يشنّها الاحتلال الصهيوني تتجاوز منطق الردّ العسكري المحدود كما يدعي ، لتلامس محاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وربما فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة.

فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته، لم يكن يومًا دولة عادية في معادلات الصراع. فهو ساحة تتقاطع فيها خطوط النفوذ الإقليمي، ومرآة تعكس التوازنات الهشّة بين قوى كبرى وصغرى. وفي هذا السياق، يصبح أي تصعيد عسكري ليس مواجهة ثنائية، بل حلقة ضمن صراع أوسع يمتد من طهران إلى واشنطن، مرورًا بعواصم إقليمية أخرى، لكل منها حساباته ومصالحه..

غير أن الإشكال الأعمق يكمن في هشاشة الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة التي تعاني من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وانقسام سياسي حاد، وتراجع في مؤسساتها، تجد نفسها عاجزة عن احتكار قرار الحرب والسلم. وهذا الفراغ السيادي لا يفتح الباب فقط أمام التصعيد الخارجي، بل يعمّق أيضًا منطق “تعدد مراكز القوة” داخل البلاد، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة محفوفة بانزلاقات يصعب التحكم فيها.

من زاوية أخرى، تبدو دولة العدو وكأنها تختبر حدود الردع، مستفيدة من واقع دولي منشغل بأزمات أخرى، ومن تراجع فعالية المنظومة الدولية في فرض قواعد القانون الدولي. فمع كل ضربة، يُطرح سؤال جوهري: هل الهدف هو تحييد تهديد أمني آني، أم الدفع نحو إعادة رسم المشهد الاستراتيجي في جنوب لبنان؟

في المقابل، لا يمكن إغفال أن أي تصعيد واسع يحمل في طياته مخاطر انفجار إقليمي. فلبنان ليس جزيرة معزولة، بل جزء من شبكة تحالفات ومحاور، ما يجعل أي انزلاق غير محسوب قابلًا للتوسع بسرعة. وهنا، يتحول ميزان الردع من أداة لضبط الصراع إلى عامل قد يسرّع خروجه عن السيطرة.

أما على المستوى الإنساني، فإن الدماء التي تسيل هي تعبير صارخ عن فشل السياسة في منع الحرب. فحين تعجز الدبلوماسية، تصبح المدن ساحات مفتوحة، ويتحوّل المدنيون إلى ضحايا معادلات لا يملكون التأثير فيها.

في المحصلة، يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق خطير: بين أن يظل رهينة صراعات الآخرين، أو أن يتمكن، ولو تدريجيًا، من استعادة قراره السيادي. غير أن هذا الخيار الأخير لا يبدو متاحًا في المدى القريب، في ظل اختلال موازين القوى داخليًا وخارجيًا.

 

‫شاهد أيضًا‬

رحيل الروائية السورية كوليت خوري : صوت نسوي جريء يودّع الساحة الثقافية

في مشهد يختزل نهاية فصلٍ مشرق من تاريخ الأدب ال سوري ، غيّب الموت اليوم الجمعة الروائية ال…