حين تعود تونس إلى أرضها: الفلاحة كخيار سيادي لا كقطاع ثانوي
في بلدٍ ظلّ طويلاً يتأرجح بين أوهام الاقتصاد السريع وحقائق الأرض الصلبة، يبدو أن تونس بدأت، ولو متأخرة، تستعيد شيئاً من وعيها الزراعي. الاتفاقية التي وقّعتها وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية مع برنامج تنمية الصادرات السويسري ليست مجرّد خبر عابر في نشرة اقتصادية، بل هي إشارة، ربما خجولة، إلى عودة العقل إلى حيث يجب أن يكون: إلى الأرض.
الفلاحة في تونس لم تكن يوماً قطاعاً عادياً. كانت، تاريخياً، العمود الفقري للاقتصاد، ومخزن الاستقرار الاجتماعي، ومصدر التوازن في بلدٍ يعرف جيداً معنى الهشاشة. لكن السياسات، على امتداد عقود، تعاملت معها كقطاع يمكن تأجيله، أو التعويض عنه بالخدمات والسياحة والتحويلات. وكانت النتيجة واضحة: تراجع في الإنتاج، هشاشة في الأمن الغذائي، وتآكل في مكانة الفلاح.
اليوم، حين يُطرح التعاون الدولي كرافعة لتطوير الصادرات الفلاحية، فإن السؤال لا يجب أن يكون: ماذا سنجني من هذه الاتفاقية؟ بل: لماذا تأخرنا كل هذا الوقت لنفعل ما يجب فعله منذ البداية؟
التعاون مع برنامج تنمية الصادرات السويسري، المدعوم من أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية والمنفّذ من سويس كونتاكت، يفتح باباً عملياً لما تحتاجه تونس فعلاً: ليس فقط تمويلات، بل خبرة، ومرافقة، ورؤية لسلاسل القيمة، من الحقل إلى السوق الدولية.
لكن، وهنا تكمن المفارقة، فإن هذه الأدوات لا تصنع المعجزة وحدها.
المشكلة في تونس لم تكن يوماً في غياب الموارد الطبيعية أو ضعف الجودة. الزيتون التونسي، التمور، المنتجات البيولوجية… كلها قادرة على المنافسة، بل على التفوق. المشكلة كانت دائماً في ما بعد الإنتاج: في التسويق، في التعليب، في النفاذ إلى الأسواق، وفي غياب استراتيجية وطنية تجعل من الفلاحة مشروع دولة، لا مجرد نشاط اقتصادي.
ما تقترحه هذه الشراكة هو، في جوهره، إعادة ترتيب هذه السلسلة المختلة. دعم المؤسسات، تحسين الجودة، تسهيل التصدير، وتكوين الفاعلين. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل هي شروط البقاء في سوق دولية لا تعترف إلا بالأقوى والأكثر تنظيماً.
التعاون الدولي، في هذا السياق، ليس بديلاً عن الإرادة الوطنية، بل اختبار لها. يمكن لهذه الاتفاقية أن تتحول إلى قصة نجاح، إذا ما وُضعت ضمن رؤية أوسع: تحديث البنية التحتية، دعم الفلاح الصغير، تحسين منظومات الري، وربط الإنتاج بالتصنيع الغذائي.
كما يمكن أن تتحول، بكل بساطة، إلى رقم جديد في سلسلة الاتفاقيات التي وُقّعت ثم نُسيت.
الأثر المحتمل، إذا أُحسن استثماره، يتجاوز الأرقام. حين تصبح المنتجات التونسية أكثر حضوراً في الأسواق الدولية، فإن ذلك لا يعني فقط زيادة في الصادرات، بل تحسناً في صورة تونس. بلدٌ قادر على إنتاج الجودة، وعلى احترام المعايير، وعلى المنافسة. وهذه، في عالم اليوم، عملة لا تقل قيمة عن العملة الصعبة.
أما الفلاح، ذلك الذي ظلّ طويلاً خارج حسابات الربح، فيمكن أن يكون المستفيد الأكبر. حين تتحسن سلاسل القيمة، ترتفع مداخيله، ويستعيد جزءاً من كرامته المهنية. والفلاحة، حين تكون مربحة، تصبح خياراً، لا عبءا يُهرب منه الشباب.
لكن كل هذا مشروط بشيء واحد: أن تفهم الدولة أن الفلاحة ليست ماضياً يجب تجاوزه، بل مستقبلاً يجب الاستثمار فيه.
تونس، في نهاية المطاف، ليست بلداً صناعياً كبيراً، ولا قوة مالية عالمية. هي، قبل كل شيء، بلد أرض. أرض يمكن أن تُطعم، وتُصدّر، وتُشغّل، وتمنح الاستقرار. لكن هذه الأرض، مثل كل شيء آخر، تحتاج إلى من يراها.
الاتفاقيات الدولية يمكن أن تساعد، بل ويمكن أن تُسرّع. لكنها لا تستطيع أن تعوّض غياب الرؤية.
وحين تعود تونس إلى فلاحتها، لا كخيار اضطراري، بل كخيار سيادي، عندها فقط يمكن أن تتحول هذه الشراكات من مجرد أخبار إلى تحوّل حقيقي.
ذلك هو الرهان. وذلك، أيضاً، هو الاختبار.
بخطى حثيثة و ثابتة تونس جسر إقليمي للطاقة
في عالمٍ يزداد عطشاً للطاقة، لم تعد المسألة مجرد إنتاجٍ واستهلاك، بل تحوّلت إلى لعبة خرائط…
