2026-04-12

حين تعود تونس إلى أرضها: الفلاحة كخيار سيادي لا كقطاع ثانوي

في‭ ‬بلدٍ‭ ‬ظلّ‭ ‬طويلاً‭ ‬يتأرجح‭ ‬بين‭ ‬أوهام‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السريع‭ ‬وحقائق‭ ‬الأرض‭ ‬الصلبة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬بدأت،‭ ‬ولو‭ ‬متأخرة،‭ ‬تستعيد‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬وعيها‭ ‬الزراعي‭. ‬الاتفاقية‭ ‬التي‭ ‬وقّعتها‭ ‬وكالة‭ ‬النهوض‭ ‬بالاستثمارات‭ ‬الفلاحية‭ ‬مع‭ ‬برنامج‭ ‬تنمية‭ ‬الصادرات‭ ‬السويسري‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬خبر‭ ‬عابر‭ ‬في‭ ‬نشرة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إشارة،‭ ‬ربما‭ ‬خجولة،‭ ‬إلى‭ ‬عودة‭ ‬العقل‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭: ‬إلى‭ ‬الأرض‭.‬

الفلاحة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬قطاعاً‭ ‬عادياً‭. ‬كانت،‭ ‬تاريخياً،‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للاقتصاد،‭ ‬ومخزن‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ومصدر‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬بلدٍ‭ ‬يعرف‭ ‬جيداً‭ ‬معنى‭ ‬الهشاشة‭. ‬لكن‭ ‬السياسات،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬عقود،‭ ‬تعاملت‭ ‬معها‭ ‬كقطاع‭ ‬يمكن‭ ‬تأجيله،‭ ‬أو‭ ‬التعويض‭ ‬عنه‭ ‬بالخدمات‭ ‬والسياحة‭ ‬والتحويلات‭. ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬واضحة‭: ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬هشاشة‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬وتآكل‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬الفلاح‭.‬

اليوم،‭ ‬حين‭ ‬يُطرح‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬كرافعة‭ ‬لتطوير‭ ‬الصادرات‭ ‬الفلاحية،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭: ‬ماذا‭ ‬سنجني‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية؟‭ ‬بل‭: ‬لماذا‭ ‬تأخرنا‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬لنفعل‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬فعله‭ ‬منذ‭ ‬البداية؟

التعاون‭ ‬مع‭ ‬برنامج‭ ‬تنمية‭ ‬الصادرات‭ ‬السويسري،‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬أمانة‭ ‬الدولة‭ ‬السويسرية‭ ‬للشؤون‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمنفّذ‭ ‬من‭ ‬سويس‭ ‬كونتاكت،‭ ‬يفتح‭ ‬باباً‭ ‬عملياً‭ ‬لما‭ ‬تحتاجه‭ ‬تونس‭ ‬فعلاً‭: ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تمويلات،‭ ‬بل‭ ‬خبرة،‭ ‬ومرافقة،‭ ‬ورؤية‭ ‬لسلاسل‭ ‬القيمة،‭ ‬من‭ ‬الحقل‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الدولية‭.‬

لكن،‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬المعجزة‭ ‬وحدها‭.‬

المشكلة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬الجودة‭. ‬الزيتون‭ ‬التونسي،‭ ‬التمور،‭ ‬المنتجات‭ ‬البيولوجية‭… ‬كلها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬التفوق‭. ‬المشكلة‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنتاج‭: ‬في‭ ‬التسويق،‭ ‬في‭ ‬التعليب،‭ ‬في‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق،‭ ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الفلاحة‭ ‬مشروع‭ ‬دولة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي‭.‬

ما‭ ‬تقترحه‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬هو،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬المختلة‭. ‬دعم‭ ‬المؤسسات،‭ ‬تحسين‭ ‬الجودة،‭ ‬تسهيل‭ ‬التصدير،‭ ‬وتكوين‭ ‬الفاعلين‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬تفاصيل‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬شروط‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬دولية‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالأقوى‭ ‬والأكثر‭ ‬تنظيماً‭.‬

التعاون‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ليس‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬اختبار‭ ‬لها‭. ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬نجاح،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وُضعت‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬أوسع‭: ‬تحديث‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬دعم‭ ‬الفلاح‭ ‬الصغير،‭ ‬تحسين‭ ‬منظومات‭ ‬الري،‭ ‬وربط‭ ‬الإنتاج‭ ‬بالتصنيع‭ ‬الغذائي‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول،‭ ‬بكل‭ ‬بساطة،‭ ‬إلى‭ ‬رقم‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التي‭ ‬وُقّعت‭ ‬ثم‭ ‬نُسيت‭.‬

الأثر‭ ‬المحتمل،‭ ‬إذا‭ ‬أُحسن‭ ‬استثماره،‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأرقام‭. ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬المنتجات‭ ‬التونسية‭ ‬أكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الصادرات،‭ ‬بل‭ ‬تحسناً‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تونس‭. ‬بلدٌ‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الجودة،‭ ‬وعلى‭ ‬احترام‭ ‬المعايير،‭ ‬وعلى‭ ‬المنافسة‭. ‬وهذه،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬عملة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬قيمة‭ ‬عن‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭.‬

أما‭ ‬الفلاح،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬ظلّ‭ ‬طويلاً‭ ‬خارج‭ ‬حسابات‭ ‬الربح،‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المستفيد‭ ‬الأكبر‭. ‬حين‭ ‬تتحسن‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة،‭ ‬ترتفع‭ ‬مداخيله،‭ ‬ويستعيد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬كرامته‭ ‬المهنية‭. ‬والفلاحة،‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬مربحة،‭ ‬تصبح‭ ‬خياراً،‭ ‬لا‭ ‬عبءا‭ ‬يُهرب‭ ‬منه‭ ‬الشباب‭.‬

لكن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬مشروط‭ ‬بشيء‭ ‬واحد‭: ‬أن‭ ‬تفهم‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬الفلاحة‭ ‬ليست‭ ‬ماضياً‭ ‬يجب‭ ‬تجاوزه،‭ ‬بل‭ ‬مستقبلاً‭ ‬يجب‭ ‬الاستثمار‭ ‬فيه‭.‬

تونس،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬ليست‭ ‬بلداً‭ ‬صناعياً‭ ‬كبيراً،‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬مالية‭ ‬عالمية‭. ‬هي،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بلد‭ ‬أرض‭. ‬أرض‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُطعم،‭ ‬وتُصدّر،‭ ‬وتُشغّل،‭ ‬وتمنح‭ ‬الاستقرار‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬مثل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يراها‭.‬

الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تساعد،‭ ‬بل‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تُسرّع‭. ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعوّض‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭.‬

وحين‭ ‬تعود‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬فلاحتها،‭ ‬لا‭ ‬كخيار‭ ‬اضطراري،‭ ‬بل‭ ‬كخيار‭ ‬سيادي،‭ ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الشراكات‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬أخبار‭ ‬إلى‭ ‬تحوّل‭ ‬حقيقي‭.‬

ذلك‭ ‬هو‭ ‬الرهان‭. ‬وذلك،‭ ‬أيضاً،‭ ‬هو‭ ‬الاختبار‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بخطى حثيثة و ثابتة تونس جسر إقليمي للطاقة

في عالمٍ يزداد عطشاً للطاقة، لم تعد المسألة مجرد إنتاجٍ واستهلاك، بل تحوّلت إلى لعبة خرائط…