2026-04-15

تراجع تدريجي للتضخم في تونس

تظهر أحدث البيانات الاقتصادية، أن تونس تدخل مرحلة تحكم تدريجي في مسار التضخم، مع استقرار المؤشر العام لأسعار الاستهلاك عند حدود 5 بالمائة خلال مارس 2026، مقابل 7 بالمائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في تطور يعكس تراجعا ملحوظا في وتيرة ارتفاع الأسعار.

ويعود هذ التطور جزئيا إلى جملة الاجراءات التي اتخذتها الدولة للحد من الضغوط التضخمية من بينها تكثيف الرقابة على الاسواق ومقاومة الاحتكار والمضاربة، إلى جانب مواصلة دعم بعض المواد الأساسية والعمل على تأمين التزويد بانتظام.
كما ساهمت السياسات النقدية والمالية الحذرة في كبح جماح التضخم وتحقيق قدر من الاستقرار في المؤشرات العامة.
وبحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، حافظ التضخم على استقراره خلال شهر مارس دون تغيير يذكر مقارنة بشهر فيفري، فيما بلغ التضخم الضمني نحو 4.6 بالمائة، وهو ما يعكس تراجعا نسبيا في الضغوط السعرية خارج المواد الغذائية الطازجة والأسعار المؤطرة.
لكن رغم هذا الاستقرار النسبي في المؤشرات الكلية، يسود انطباع لدى البعض بان نسبة التضخم رغم تراجعها ظلت مرتفعة ما يعني أن الأسعار لم تعد ترتفع بالسرعة السابقة، لكنها لم تنخفض، بل تراكمت زياداتها السابقة لتشكل مستوى معيشيا أكثر كلفة، غير أن هذا التحسن الإحصائي لا ينعكس بالدرجة نفسها على واقع المعيشة، حيث ما تزال الأسر تواجه ضغوطا متواصلة على قدرتها الشرائية.
الغذاء والخدمات في قلب الضغط التضخمي
وتكشف تفاصيل سلة الاستهلاك عن استمرار الضغوط في القطاعات الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين. فقد سجلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعا في حدود 8ر6 بالمائة خلال مارس، مقابل 7ر6 بالمائة في فيفري، فيما واصلت خدمات المطاعم والمقاهي والفنادق تسجيل نسب مرتفعة بلغت 2ر6 بالمائة خلال شهر مارس.
في المقابل، ساهم الاستقرار النسبي في مجموعات أخرى من السلع والخدمات في الحد من تسارع المعدل العام، ما أعطى انطباعا بتحسن كلي لا يعكس بالضرورة توزيع الضغوط داخل السلة الاستهلاكية.
ويرى الخبير الاقتصادي، ماهر بالحاج ان الانطباع السائد لدى البعض بان نسبة التضخم رغم تراجعها ظلت مرتفعة يعود أساسا إلى طريقة إدراك المستهلك لتطور الأسعار، إذ انه لا يقارن الوضع الحالي بالتغيرات الشهرية أو السنوية الأخيرة، بل بالمستويات التي كانت سائدة قبل سنوات.
وبما أن موجة التضخم السابقة خلفت زيادات تراكمية كبيرة في الأسعار، فإن أي تباطؤ في المؤشر العام يظل محدود الأثر على الإحساس الفعلي بكلفة المعيشة، ما دامت الأسعار عند مستويات مرتفعة أصلا.
كما أن تحسن التضخم لا يترجم تلقائيا إلى تحسن في القدرة الشرائية، في ظل غياب نمو موازي في الأجور، ما يجعل التوازن بين الأسعار والمداخيل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الاطار يفيد الخبير بأن تحسين القدرة الشرائية لا يمرّ فقط عبر كبح التضخم، بل يتطلّب أيضا جملة من الإصلاحات الموازية، في مقدّمتها التقليص من الضغط الجبائي المسلّط على مختلف شرائح المستهلكين، خاصة الطبقة المتوسطة والأجراء، الذين تصل نسبة الاقتطاع من مداخيلهم السنوية الخام في بعض الحالات إلى حدود 40 بالمائة، وهو ما يحدّ من قدرتهم على الاستهلاك والادخار.
كما فسّر الخبير بلحاج غياب الإحساس باستقرار التضخم لدى المواطنين، بعدم تسجيل زيادات في الأجور توازي الارتفاع ، إذ لا يمكن أن تتحسّن القدرة الشرائية فعليا إلا عندما تفوق الزيادات في الأجور نسبة التضخم، بما يسمح بإعادة التوازن بين المداخيل وكلفة المعيشة.
من جهة أخرى، تظلّ مسالك التوزيع من أبرز العوامل المساهمة في ارتفاع الأسعار، نتيجة تعدّد الوسطاء بين المنتج والمستهلك، وما يرافق ذلك من ممارسات احتكارية ومضاربات.
ويُفاقم انتشار التعامل النقدي (الكاش) من صعوبة تتبّع المعاملات التجارية وفرض الرقابة، في ظل غياب الشفافية الكافية.
وعليه، يرى الخبير أن المرحلة المقبلة تستوجب تسريع نسق مراجعة الأجور بشكل يفوق التضخم، بالتوازي مع إصلاح منظومة التوزيع والحدّ من الاقتصاد النقدي، إلى جانب تخفيف العبء الجبائي على الأسر، بما يساهم في تحقيق تحسّن ملموس ومستدام في القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أن تحسين الظروف المعيشية للمواطنين يمثل أولوية وطنية قصوى، مشدّدا على ضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة لدعم القدرة الشرائية.
وقد أعلن، خلال إشرافه يوم 6 أفريل الحالي على إحياء الذكرى 26 لوفاة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، عن التوجه نحو الترفيع في أجور العاملين في القطاعين العام والخاص وجرايات المتقاعدين.
وأوضح رئيس الدولة أن هذه الزيادات تهدف إلى تمكين المواطنين من مجابهة ارتفاع كلفة المعيشة والاستجابة لمتطلباتهم الأساسية، بما يضمن لهم حياة كريمة.
كما أكد حرص الدولة على توفير الموارد المالية اللازمة لتنفيذ هذه الإجراءات، في إطار سياسة اجتماعية تستهدف الحد من الفقر وتعزيز التماسك الاجتماعي.
سياسة نقدية حذرة في مواجهة ضغوط خارجية تحدد مسار التضخم في تونس
على المستوى النقدي، واصل البنك المركزي التونسي اعتماد سياسة نقدية حذرة، مع تثبيت سعر الفائدة المديرية عند حدود 7 بالمائة، في محاولة للحفاظ على توازن بين كبح التضخم ودعم النشاط الاقتصادي.
غير أن هامش التحكم في الأسعار يظل محدودا، بالنظر إلى الطابع المستورد لجزء مهم من التضخم، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والمواد الغذائية الأساسية، ما يجعل الاقتصاد التونسي عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وفي هذا السياق اكد البنك المركزي التونسي تصاعد الضغوط التضخمية المستوردة في الفترة الاخيرة مع امخاطر انتقالها الى منظومة تكوين الاسعار بما قد يؤثر على المسار المستقبلي للتضخم مشددا على مواصلة المتابعة الدقيقة لتطورات التضخم مع الاستعداد لتفعيل مختلف ادوات السياسة النقدية عند الاقتضاء بهدف تثبيت التوقعات التضخمية والحفاظ على استقرار الاسعار.
وتشير المعطيات الدولية إلى استمرار الضغوط على أسعار الغذاء عالميا، حيث بلغ مؤشر أسعار الغذاء الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة نحو 127.1 نقطة في مارس 2026، بارتفاع سنوي يقارب 9ر6 بالمائة، مدفوعا أساسا بالحبوب ومنتجات الألبان واللحوم.
كما تبقى أسواق الطاقة عرضة لتقلبات جيوسياسية، مع توقعات تشير إلى استقرار نسبي في أسعار النفط خلال 2026، مقابل مخاطر مرتفعة مرتبطة بتطورات الإمدادات العالمية.
وبالنسبة لتونس، التي تعتمد بشكل كبير على الواردات في الغذاء والطاقة، فإن هذه التطورات تعني أن مسار التضخم الداخلي يظل مرتبطا إلى حد كبير بالمتغيرات الخارجية وهو ما أكده البنك المركزي التونسي في بيان اصدره عقب اجتماع مجلس الادارة (30 مارس 2026) حيث أشار إلى أن تطور الأوضاع الجيوسياسية يظل عاملا محددا لآفاق التضخم العالمية، وبالتالي لتوجهات السياسات النقدية خلال الفترة القادمة.
اجمالا، تؤكد المؤشرات أن تونس انتقلت من مرحلة تسارع التضخم إلى مرحلة تباطؤه، لكنها لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار السعري المريح. فبينما تتحسن الأرقام تدريجيا، لا تزال كلفة المعيشة تمثل تحديا يوميا للأسر، في ظل فجوة واضحة بين المسار الإحصائي والواقع الاجتماعي، وفق الخبير.
ويرى الخبير بلحاج أن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة لن يقتصر على مواصلة خفض التضخم، بل على تحويل هذا التباطؤ إلى تحسن فعلي في القدرة الشرائية، بما يعيد التوازن بين المؤشرات الاقتصادية والواقع المعيشي.
دعم القدرة الشرائية للمواطن والتحكم في نسق تطور الأسعار من أولويات العمل التنموي خلال الفترة القادمة
من جانبها، تواصل الحكومة تنفيذ برنامج اقتصادي يرتكز على التحكم في نسق تطور الأسعار وضمان استقرار السوق، من خلال جملة من التدابير، أبرزها تأمين التزويد المنتظم بالمواد الأساسية عبر تكوين مخزونات استراتيجية، وتكثيف عمليات المراقبة للتصدي للمضاربة والاحتكار، إضافة إلى العمل على إصلاح وتنظيم مسالك التوزيع.
كما تسعى الحكومة إلى تعزيز التنسيق بين مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن نجاعة أكبر في مواجهة الضغوط التضخمية وتحقيق توازن مستدام بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، يُنتظر أن يساهم تحسن الإنتاج الفلاحي في تخفيف حدة الضغوط على الأسعار خلال الفترة المقبلة.
ويتطلب بلوغ هذه الأهداف تكريس مبدأ التكامل والتناسق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجيات القطاعية بما يعزز النجاعة ويضمن حسن توظيف الموارد المتاحة.
كما تبرز أهمية إرساء آليات فعالة للمتابعة والتقييم قصد ضمان تنفيذ الإجراءات والبرامج وفق الآجال المرسومة، حسب برنامج الحكومة.
ومن المنتظر أن تساهم مجمل هذه الإجراءات ذات البعد الشمولي والمتكامل في تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد وتحقيق نمو ادماجي يكرس العدالة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

وات

 

 

‫شاهد أيضًا‬

البرلمان يستمع غدا إلى منظمات وطنية حول مقترح التقاعد المبكر للمرأة في القطاع الخاص

من المُقرّر أن تستمع لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بمجلس…