هجرة شعبة الرياضيات: علاج الظاهرة من الأولويات
تكشف ظاهرة العزوف وعدم الإقبال على الشعب العلمية خاصة في ما يتعلق بشعبة الرياضيات – وهو ما تؤيده وتدعمه المؤشرات المتداولة منذ سنوات – دون أدنى شك عن خلل في المنظومة التربوية وما يعتريها من وهن وما أصابها من أمراض وعلل،وهو ما يتجلّى وينعكس بوضوح في العزوف عن دراسة الرياضيات، تلك المادة التي تدغدغ ملكة التفكير والاستدلال و تفتح للتلميذ شهية الأسئلة والتفكيك وهو ما تسبب بدوره في ذلك النقص الحاد في عدد طلبة الرياضيات بالجامعات..
نحن إذن، إزاء مفارقة عجيبة تتمثل في العزوف عن الرياضيات وعن المواد العلمية في ذات الوقت الذي تنمو فيه العلوم وتتسارع الأمم في المسك بتلابيب التكنولوجيات الحديثة، في ذات العصر الذي نتحدث فيه عن انترنات الأشياء والذكاء الاصطناعي والبرمجة والمدن الذكية لكن في المقابل تعرف بلادنا تراجعا في مؤشرات الإقبال على المواد العلمية، وهي مؤشرات لا ينبغي أن نتغافل عنها بل يجب أن تدفعنا دفعا الى طرح كمّ هائل من الأسئلة،عن الأسباب؟ وتفصيل القول حول الحلول المتاحة من أجل الإصلاح؟ وإذا ما لم يكن الأمر كذلك فما هو زادنا وماذا أعددنا لمواكبة التطورات التكنولوجية من رأسمال أكاديمي ؟
تختلف آراء المتدخلين في الشان التربوي بين من يرى أن العزوف عن الرياضيات يعود إلى عائق لغوي بمعنى أن اعتماد اللغة العربية في تدريس مادة الرياضيات لفترة 9 سنوات وتهميش اللغة الفرنسية خلال كل تلك المرحلة الأساسية في حياة التلميذ، ثم فجأة يصطدم كل ذلك المخزون المعرفي والتراكمي بتحول كل تلك المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية من العربية إلى الفرنسية في المرحلة الثانوية حينها يُضيع التلميذ البوصلة، فلا هو بالمواصل في نفس النهج التعليمي الذي نشأ عليه ولا هو بالمتمرّس ولا بالمتمكن من الفرنسية حتى يزاوج بين الموروث المكتسب، والمعارف اللاحقة، فيحصل نوع من انواع القطيعة المعرفية أو ما تعرف بالقطيعة الابستمولوجية، أي انقطاع ذلك التسلسل الطبيعي في تحصيل المعرفة وبناء الفكر.
ويرى البعض الآخر أن الظاهرة إنما هي دليل قاطع على نقص الكفاءة لدى بعض الأساتذة وطريقة التعليم التي يعتمدونها في تدريس تلك المواد حيث تنفّر التلميذ عوض أن تحفّزه، وتحبطه عوض أن تشجعه، وبعض آخر يرى أن الجيل الحالي من التلاميذ لم يعد قادرا لا على التحليل ولا على التفكير، كما يذهب شقّ آخر إلى أن الأولياء ساهموا في نشأة وظهور جيل طبّع مع الحفظ، لا يروم ولا يهوى التفكير المنطقي ولا الاستدلال الرياضي.
حالة من التيه والضياع، و اختلال التوازن تجعل التفكير في علاج هذه الظاهرة من الأولويات خاصة وأن الشعب العلمية هي الأكثر تشغيلية والأكثر طلبا في سوق الشغل. هذه الظاهرة تدعو الى التفكير الجدي في الطرق العملية والناجعة لتشخيص الأسباب بدقة والوقوف عندها بتروٍّ وحكمة من أجل تجاوزها، والبناء على أنقاضها لجيل مقبل غير مُدبر على العلوم بمختلف تشكيلاتها ونظمها وموادها وفروعها اوشعبها.
يقول في هذا السياق رئيس جمعية الأولياء والتلاميذ رضا الزهروني أن للرياضيات مزايا كبيرة على المستويين الأكاديمي والمهني فهي حجر الزاوية لفهم الفيزياء، والكيمياء وعلوم الفضاء والهندسة ولتطوير التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي بالإضافة إلى فتحها أبواب التوظيف في عديد القطاعات كما أنها مادة تعمل على تطوير مهارات اتخاذ القرار من خلال التحليل العلمي للبيانات والمساعدة على التخطيط الاستراتيجي للأعمال والمشاريع الخاصة.
ولفت محدثنا الى ان جل من تداول على الشأن التربوي علم وعرف وأشار إلى هذه الظاهرة-هجرة شعبة الرياضيات – برغم ما تسجله من نتائج باهرة في امتحان الباكالوريا بلغت حدود 80 بالمائة مقابل استقطابها لحوالي 6 بالمائة فقط من مجمل المترشحين لباكالوريا 2025 ويبلغ عدد الناجحين بها في الامتحان حوالي 6500 تلميذ أي حولي 3 % من تلاميذ نفس الفئة العمرية. في حين ان نسبة تلاميذ منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي الذين لهم المستوى المطلوب في مادة الرياضيات يتجاوز 69 بالمائة أكثر من 10 بالمائة منهم لهم مستويات متميزة.
ومن جهة أخرى اعتبر الزهروني ان انعدام القدرة على التمكن من مضامين الكتابات الفلسفية والأدبية ونظرياتها ومن معاني مفرداتها وعمق أفكارها وانعدام الدراية بقيم الحياة وبطبيعة الإنسان وبحاجياته العاطفية والمعنوية يُولّد المتعلّم صعوبات في الاستماع والتّعبير عن أفكاره وآرائه وتبليغ مقاصده ومطالبه وستتقلّص معها حظوظه للارتقاء إلى مهام قيادية وستتأثر سلبا نوعية معاملاته مع الآخر عائليا ومهنيا واجتماعيا.
ودعا الزهروني إلى ضرورة العمل في إطار الإصلاح التربوي المنتظر على كسر الحاجز المعنوي المتمثل في أنّ الطبيعة تُصنّف عقول البشر لتؤهلها إما لاستيعاب المواد لدى العلمية والرياضيّات فحسب أو المواد الأدبية والفلسفية دون الرّياضيات. ويتمثل الحل في الانطلاق الفوري بتدعيم قدرات تلاميذنا على القراءة والكتابة في اللغتين العربية والفرنسية بالإضافة إلى الحساب وذلك خلال سنوات دراستهم الاولى في المرحلة الابتدائية والرياضيات والفلسفة والآداب واللّغات في كلّ شُعب التّعليم الثانوي وعلى ضمان الارتقاء المستحق خلال هذه المرحلة لأكثر عدد من أطفالنا .
استعدادات خاصة لعودة الجالية التونسية بالخارج..
ما فتئت تونس تقيم الدليل تلو الآخر على الحظوة التي توليها لأبنائها المقيمين بالخارج من خلا…







