القصرين : “طرق وبرق”عندما تلتقي جبال سمامة والأوراس والبريني على ركح سبيطلة
لم يكن العرض الافتتاحي للدّورة الخامسة والأربعين لمهرجان العبادلة الدولي بسبيطلة مجرد سهرة فنية، بل كان موعد استثنائيا مع ذاكرة الجبال وصوت الإنسان الأول. فعلى ركح المسرح الأثري، الذي ازدانت جنباته بإكليل جبل سمّامة ونباتاته العطرية المنعشة ، التقت لأوّل مرّة ثلاثة عوالم جبلية جاءت من تونس والجزائر وإسبانيا، لتؤكد أن الموسيقى قادرة على اختصار المسافات وتوحيد البشر مهما اختلفت لغاتهم ولهجاتهم.
“طرق وبرق”، العرض الذي حمل توقيع ابن القصرين الفنان عدنان الهلالي، لم يراهن على الإبهار البصري بقدر ما راهن على قوة الصوت الإنساني وصدق الحكاية. فمن جبل سمامة حضر الرعاة بأهازيجهم التي طالما ردّدتها الشعاب والوديان، ومن جبال الأوراس الجزائرية جاءت أصوات تحمل الإرث ذاته، فيما انضمت الفنانة الإسبانية ماريا فالتري من منطقة البريني لتكتمل لوحة متوسطية عنوانها المشترك الجبل والإنسان.
فبعد يومين من اللقاءات والتمارين في سبيطلة، صعد الفنانون إلى الركح ليقدموا تجربة موسيقية نسجت خيوطها من أصوات الرعاة و”الفوكاليز” والأهازيج الشعبية، في رحلة عبر الذاكرة الجماعية لسكان الجبال الذين ظلوا متمسكين بأرضهم، رغم قسوة الطبيعة وحرائق الصيف والتهميش وصعوبة الحياة.
ويرى صاحب العمل، الفنان عدنان الهلالي، وفق ما بينه في تصريح لصحفية وكالة تونس افريقيا للأنباء أنّ “طرق وبرق” ليس عرضًا مكتملا بقدر ما هو بداية مشروع فني طويل النفس، موضحا أن التجربة ستتواصل عبر لقاءات جديدة لتطوير الفرجة وتعميق التقارب بين المشاركين، لأن ما جمعهم لم يكن اللغة، بل الموسيقى والإنسان والجبل.
ويؤكد الهلالي أن المشروع يمثل امتدادا لمسار فني بدأ مع عرض “هطايا”، لكنه يتجه هذه المرة إلى فتح جبل سمامة على فضائه المتوسطي والإنساني، حتى يصبح تراث الجبال المحلية جزءا من الحوار الثقافي العالمي، معربا عن أمله في أن يجوب العرض مهرجانات أخرى داخل تونس وخارجها بعد استكمال مراحل تطويره.
ولا ينفصل هذا العمل عن مشروع بحثي وثقافي طويل. فالدكتور في العلوم الثقافية ماهر بن عباس الهلالي أوضح لوكالة ” وات” أن فكرة “طرق وبرق” هي ثمرة سنوات من العمل الميداني انطلقت منذ سنة 2008 بالشراكة مع مركز الموسيقى العربية والمتوسطية “النجمة الزهراء”، بهدف توثيق الأغاني الجبلية وحمايتها من الاندثار.
ويعتبر بن عباس أن الرعاة وسكان الجبال ليسوا مجرد مؤدين للأغاني الشعبية، بل هم حراس الذاكرة الجماعية، وحملة تراث ظل صامدا في وجه الزمن والتحولات الاجتماعية. وكشف المتحدث، في هذا السياق، عن قرب صدور كتابه “ملولية وطرق”، الذي يقدم قراءة أنثروبولوجية وسوسيولوجية للموسيقى الجبلية الممتدة من القصرين إلى الجنوب الغربي والحدود الجزائرية، بإعتبارها أحد أهم عناصر الهوية الثقافية في هذه الربوع.
ولم يخف العرض رسائله البيئية والإنسانية ، فبحسب عدد من المواكبين ، لم يكن “طرق وبرق” مجرد احتفاء بالأغنية الجبلية، بل دعوة صريحة إلى إعادة الإعتبار للجبال وسكانها، في ظل ما تواجهه من حرائق وإهمال وتحديات تنموية، مع التأكيد على أن المحافظة على التراث لا تنفصل عن المحافظة على المكان الذي ولد فيه.
وفي هذا السياق، اعتبر المواطن حمزة فرجاوي ل”وات” أن العمل تجاوز الطابع الفرجوي ليقدم رسالة ثقافية عميقة مفادها أن الجبال ليست هامشا، بل فضاءً للذاكرة والإبداع والحياة، وأن سكانها ما زالوا أوفياء لتراثهم رغم مختلف الصعوبات.
أما الإعلامية أشراف بناني، فترى أن مهرجان العبادلة الدولي يواصل ترسيخ هويته كمشروع ثقافي وتنموي، لا يكتفي بتنظيم العروض الفنية، بل يساهم في التعريف بالموروث المحلي وتثمينه. واعتبرت أن “طرق وبرق” أعاد تقديم القصرين من زاوية مختلفة، حيث امتزجت أهازيج الجبال برائحة الإكليل والنباتات العطرية التي زينت الركح، في صورة عكست عمق العلاقة بين الإنسان وأرضه.
وبين حجارة المسرح الأثري العريقة وأصوات الرعاة القادمة من أعالي الجبال، لم يكن الجمهور يتابع عرضا موسيقيا فحسب، بل كان يصغي إلى ذاكرة ما تزال تنبض بالحياة. ذاكرة تؤكد أن الجبل، مهما بدا بعيدا، يظل قادرا على إنتاج الجمال، وأن الأغنية الشعبية ليست أثرا من الماضي، بل لغة إنسانية مشتركة تستطيع أن تعبر الحدود وتجمع بين الشعوب، تماما كما فعل “طرق وبرق” في ليل سبيطلة.
وات
د نويرة: ضربة الحرارة تختلف عن ضربة الشمس وقد تنتهي بالوفاة
حذّرت الطبيبة المختصة في طب الاستعجالي نور نويرة، من خطورة ضربة الحرارة، مؤكدة أنها تختلف …










