مهرجان بنزرت الدولي: الشاب مامي يوقظ ذاكرة جيل كامل من عشاق الراي
لم تكن سهرة الشاب مامي، مساء الأحد، ضمن فعاليات الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان بنزرت الدولي مجرد حفل لفنان يعود إلى تونس، بل كانت لقاء مع ذاكرة موسيقية امتدت لأكثر من أربعة عقود، أعادت إلى جمهور غفير من مختلف الأجيال صوتا ارتبط بسنوات ازدهار الراي في التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، حين كانت أغانيه تعبر الحدود لتصبح جزءا من الوجدان المغاربي والعربي.
وقبل موعد انطلاق العرض بوقت طويل، اكتظت مدارج المسرح الصيفي ببنزرت بجمهور قدم من مختلف جهات البلاد، في مشهد عكس المكانة التي ما يزال يحتفظ بها الفنان الجزائري لدى عشاق الراي، وخصوصية عودته إلى هذا الركح بعد غياب طويل.
واستهل الشاب مامي سهرته بأغنية “مالي مالي هكذا”، لتنساب بعدها الأغاني في رحلة استحضرت أبرز محطات مسيرته الفنية، من “وينك يا طير” و“Mon cœur est au pays des merveilles” إلى الأغنية العالمية “Desert Rose” التي جمعته بالفنان البريطاني ستينغ، ثم “تزعزع خاطري” و“هايم بلا دوار”و“يوم ورا يوم”، الديو الذي جمعه بالفنانة المغربية سميرة سعيد، وسط تفاعل متواصل من الجمهور الذي ردد الكلمات وصفق على امتداد العرض.
وفي إحدى أبرز لحظات السهرة، تلحف الشاب مامي بالعلمين التونسي والجزائري وسط تصفيق حار من الحاضرين، في مشهد عكس عمق الروابط الثقافية والوجدانية التي تجمع البلدين، وانسجم مع روح الراي باعتباره فنا تشكل في الفضاء المغاربي وظل جسرا للتقارب بين شعوبه.
ولم يكن اختيار هذه الأغاني اعتباطيا، بل بدا وكأنه استعادة لمسيرة انطلقت من مدينة سعيدة جنوب وهران، حيث ولد الشاب مامي سنة 1966، قبل أن تشكل مشاركته في مهرجان مرسيليا سنة 1986 نقطة التحول الكبرى في مشواره الفني، ليصبح أحد أبرز نجوم الراي. وكان أول مغني راي يسجل ألبوما في فرنسا، فاتحا الطريق أمام هذا اللون الموسيقي ليبلغ جمهورا أوسع، كما خاض تجارب فنية مع أسماء عالمية، من بينها ستينغ والإيطالي زوكيرو والفنانة المغربية سميرة سعيد، محافظا على أسلوب خاص جمع بين روح الراي الشعبي والإيقاعات العالمية.
وبين أغنية وأخرى، بدا واضحا أن السهرة تجاوزت حدود الاستماع إلى عرض موسيقي، لتتحول إلى رحلة في ذاكرة جيل كامل كبر على أغاني الشاب مامي خلال تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية، حين كانت أعماله حاضرة في البيوت والسيارات والمقاهي والمهرجانات، لتعيد تلك الأغنيات إحياء مشاعر الحنين إلى مرحلة شكل فيها الراي أحد أبرز التعبيرات الموسيقية في المنطقة المغاربية.
ولفت الشاب مامي انتباه الحاضرين بقدرته على الحفاظ على خامته الصوتية التي صنعت تميزه منذ بداياته. فعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة وأربعين عاما على انطلاق مسيرته، ظل صوته محتفظا بصفائه وقوته ومرونته، حتى بدا للحاضرين أنهم يستمعون إلى الشاب مامي ذاته الذي عرفوه في أواخر الثمانينات والتسعينات، وهي ميزة نادرة لفنان استطاع أن يصون هويته الفنية وأن يقاوم أثر الزمن على أدائه.
وبعد نحو ساعة من الغناء، غادر الفنان الركح مودعا الجمهور، غير أن التصفيق المتواصل والهتافات المطالبة بعودته حالت دون انتهاء السهرة. واستجاب مامي لنداء الحاضرين، فعاد إلى المسرح ليؤدي أغنية “فاطمة” إلى جانب أغنيتين أخريين من رصيده، مختتما لقاءه مع جمهور بنزرت وسط تصفيق متواصل.
وفي تصريح اعلامي قال الشاب مامي إن تجربته الفنية بلغت اليوم مرحلة جديدة بعد أكثر من 45 سنة من العطاء، مؤكدا أنه لم يعد يتمنى سوى دوام الصحة، لأنه حقق خلال مسيرته “أكثر مما كان يحلم به”، معتبرا أن مواصلة لقاء جمهوره في مختلف البلدان تمثل اليوم أجمل ثمرة لمساره الفني.
وجددت سهرة بنزرت حضور الشاب مامي على الساحة الفنية التونسية، بعد مشاركته في الدورة الماضية لمهرجان الحمامات الدولي فضلا عن إحيائه سهرتين ضمن تظاهرة “رمضان في المدينة 2026”. غير أن لهذا الموعد نكهة خاصة، إذ لم يكن استحضارا لأغان صنعت مجد فنان فحسب، بل استعادة لزمن ظل فيه الراي عنوانا لجيل كامل، أثبت خلاله الشاب مامي أن الأصوات الحقيقية لا تهزمها السنوات، وأن الأغنية الصادقة تظل قادرة على عبور الزمن وصناعة اللقاء بين الذاكرة والحاضر.
وات
المنتدى التونسي يحذّر من هشاشة منظومة الوقاية من حرائق الغابات
حذّر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من تكرار حرائق الغابات واتساع رقعتها، م…











