الدرس المستفاد من “واقعة ” حريصا : نحن لا نكتفي باستهلاك التفاهة بل نساهم في انتشارها …
قامت الدنيا ولم تقعد جراء انتشار فيديو لواحدة من صناع المحتوى وهي تونسية و قد دعيت الى لبنان لتسلم جائزة ما ثم زيارة بعض المعالم المهمة. لكنها وقعت في المحظور عند زيارتها لمعلم ديني ولم تكتف بالخطأ في نطق الاسم وانما اعترت ذلك عاديا عن جهل منها وقامت باستعراض الملابس في هذا المكان المقدس.
وهنا نحن امام ظاهرة بالغة التعقيد تتصل بهؤلاء المؤثرين والمؤثرات او صناع المحتوى الذين يتناسلون كالطفح الجلدي ويروجون للتفاهة ولتبخيس كل المعايير وحده بريق المال والشهرة يقودهم.
إذن لم تعد المشكلة في أن شخصًا قال كلامًا عابرًا في المكان الخطأ، ولا في أن مؤثرة أخطأت في تقدير رمزية موقع ديني خلال زيارة سياحية. فحادثة ضحى العريبي في حريصا، وما أثارته من انتقادات لبنانية واسعة، ثم اعتذارها وتأكيدها احترامها للمكان وللأديان، يمكن أن تنتهي عند حدود الواقعة نفسها. لكن ما يستحق التوقف عنده هو ما تكشفه هذه الحادثة عن ظاهرة أكبر:
كيف أصبح لفت الانتباه، في زمن المنصات، قيمة تكاد تنافس قيمة المضمون نفسه؟
واذا كانت الشهرة في الماضي ترتبط بمنجز ابداعي او فتح فكري يأتي كنتاج لجهد ووقت وتضحية فإن اليوم يكفي ان تمتلك هاتفا ذكيا لتصبح في التوّ مشهورا وتجني الأرباح أيضا.
وإذا كان نجوم الأمس قد كانت آثارهم تدل عليهم سواء كانت كتبا او اختراعات او أغاني او أفلام او حتى مواقف مشرفة فإن مشاهير اليوم لم يقدموا سوى الخواء وهم يدعون انهم يقدمون محتوى هو في الحقيقة مجرد استعراض للمقدرة الشرائية التي لا يمتلكونها وانما هم مجرد أدوات لتقديم البضائع والمنتجات.
وهنا لم يعد السؤال الضروري: ماذا تعرف؟
ولا: ماذا صنعت؟
ولا حتى: ماذا تستطيع أن تضيف؟
أصبح السؤال أحيانًا أبسط وأكثر قسوة:
كم شخصًا شاهدك؟
لقد صنعت المنصات الرقمية فضاءً غير مسبوق، أتاحت فيه لأي شخص تقريبًا أن يتحدث إلى جمهور واسع من دون المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية. وهذه إحدى أهم التحولات التي عرفها المجال العام في العقود الأخيرة. حيث اختلط كل شيء..
اذ نجد المعلومة العلمية الدقيقة تقف اليوم إلى جانب المعلومة السطحية، والكاتب إلى جانب صانع المقالب، والباحث إلى جانب من يحترف الاستعراض، وصاحب التجربة إلى جانب من يملك فقط القدرة على تحويل حياته اليومية إلى مادة متواصلة للمشاهدة..
والأخطر أن الخوارزمية لا تملك حسًا جماليًا أو أخلاقيًا.
هي لا تسأل بالضرورة إن كان المحتوى عميقًا أو رديئًا، راقيًا أو مبتذلًا. ما يعنيها، في جانب أساسي من عمل المنصات، هو التفاعل: المشاهدة، التعليق، المشاركة، والوقت الذي يقضيه المستخدم أمام الشاشة.
وهنا يصبح الاستفزاز قابلًا للتحول إلى سلعة..
كلما أثار المحتوى غضبًا أو سخرية أو جدلًا، ازداد الحديث عنه. وكلما ازداد الحديث، اتسع انتشاره. وهكذا قد يجد المحتوى الذي كان يمكن أن يمرّ في دقائق نفسه، بفعل التفاعل الجماعي، حاضرًا لساعات وأيام.
نحن لا نكتفي أحيانًا باستهلاك التفاهة؛ نحن نساعدها على الانتشار حين نمنحها وقتنا وغضبنا وتعليقاتنا..
وهذه إحدى المفارقات الكبرى في عصر المؤثرين.
قد نكتب عشرات التعليقات لنقول إن صاحب المحتوى لا يستحق الشهرة، فنمنحه، في الوقت نفسه، ما يحتاجه ليستمر في الشهرة.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بالخوارزميات.
ثمة تغير أعمق أصاب مفهوم الشهرة ذاته.
فالمؤثر ليس بالضرورة فنانًا أو مثقفًا أو صحفيًا أو خبيرًا، وإنما شخص يمتلك قدرة على الوصول إلى عدد كبير من الناس والتأثير في انتباههم واختياراتهم. وهذه القدرة في حد ذاتها ليست دليلًا على امتلاك معرفة أو موهبة في مجال بعينه.
وهنا ينبغي أن نفرق بين الانتشار والتأثير، وبين التأثير والقيمة.
قد يكون شخص ما شديد الانتشار، لكن ما يقدمه لا يترك وراءه سوى ضجة مؤقتة.
وقد يكون شخص آخر أقل شهرة، لكنه يقدم معرفة أو فنًا أو تجربة إنسانية تبقى في ذاكرة من يتلقاها سنوات طويلة.
المشكلة أن اقتصاد الانتباه لا يمنح دائمًا الاثنين المساحة نفسها.
وفي واقعة حريصا تحديدًا، يصبح المكان جزءًا أساسيًا من القصة..
فمزار سيدة لبنان ليس مجرد نقطة على خريطة سياحية أو خلفية لصورة تذكارية. إنه موقع ديني وروحي له رمزيته لدى المؤمنين، ولذلك فإن ما يمكن أن يبدو عاديًا في مكان ترفيهي قد يحمل معنى مختلفًا تمامًا داخل فضاء مقدس.
وقد أكدت إدارة المزار، عبر رئيسه الأب خليل علوان، أن الحادثة ستُتابع إداريًا وقانونيًا، فيما قالت صانعة المحتوى في اعتذار لاحق إنها تحترم جميع الأديان والمسيحية خصوصًا، وإن ما صدر عنها لم يكن بقصد الإساءة.
والأكيد أن اهم ما يمكن ان نخلص اليه من هذه الواقعة ومن غيرها
. لقد منحتنا وسائل التواصل قوة هائلة: أصبح لكل فرد منبره وجمهوره وصوته.
لكن كل قوة تحتاج إلى وعي يضبط استخدامها
عن تصريح أحمد العوضي الذي أثار جدلا واسعا : تشبيه النساء بالسيارات أو عندما يحتاج” الفنان” الى فرامل …
ثمة ظاهرة بدأت تنتشر في صفوف طبقة معينة وهي تعمد تبخيس النساء والاستهانة بهن عبر اعتماد بع…







