لا تقف أهمية الدورة العادية السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة التي يحتضنها مقر المنظمة الدولية في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية عند أشغال جزئها رفيع المستوى الذي يشهد مشاركة قادة الدول وحضورهم الاستعراضي وخطبهم الرنانة، بل في ما يحصل في الأعمال التحضيرية والكواليس وعلى الهامش من لقاءات ثنائية وجماعية هي وفق التجربة التاريخية أكثر نجاعة وفعالية.
ولم تشذ أشغال الجزء رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة التي تمتد من 22 الى 29 سبتمبر الجاري عن القاعدة، فاللقاءات بين «الأشقاء» و«الأصدقاء» وحتى بين «الخصوم» و«الأعداء» أو بين مسؤولي الدول وممثلي الوكالات والمؤسسات الدولية حول المواضيع ذات الاهتمام المشترك، بدت في تقديرنا مهمة لأنها عملية وواقعية وواضحة في مستوى الأهداف وإمكانيات التنفيذ والانجاز.
في هذا السياق تتنزل عديد اللقاءات التي أجراها وزير الشؤون الخارجيّة والهجرة والتونسيين بالخارج على هامش مشاركته في أشغال الجمعية العامة مع نظرائه في عدد من الدول الصديقة والشقيقة الى جانب مسؤولي عدد من الهيئات الدولية ومن بينها المنظمة الدولية للهجرة.
إن لقاء رئيس الوفد التونسي في نيويورك أول أمس 22 سبتمبر الجاري، بالمديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة فرصة لتقييم علاقات التعاون القائمة بين تونس وهذه المنظمة والنتائج المسجلة ضمن آلية العودة الطوعية وإعادة الإدماج.
لقد مكّنت هذه الآلية من العودة الطوعية لفائدة 5077 مهاجر غير نظامي منذ غرة جانفي 2026، ليرتفع بذلك العدد الجملي للمستفيدين من هذه الآلية إلى 25351 مهاجر غير نظامي منذ إحداثها، هذا فضلا عن عدد العائدين بصفة طوعية عبر الرحلات الجوية التجارية المنتظمة.
وما كان لهذه الأرقام والنتائج أن تتحقق دون الجهود التي تبذلها المنظمة الدولية من جهة وخاصة الجمهورية التونسية من جهة ثانية والتي تدفع في نهاية المطاف فاتورة سياسات الدول النافذة التي عبثت بالقارة السمراء واستعبدت سكانها الأصليين ونهبت ثرواتهم وأعاقت تقدمهم الأمر الذي دفع بهم إلى المغامرة بتركها بحثا عن الجنّة الواهية..!
هي فرصة لتونس والمنظمة الدولية، في ضوء النتائج المحققة، للتأكيد على أهمية مواصلة التنسيق بين كافة الأطراف من أجل التسريع في نسق عمليات العودة الطوعية وكذلك تأمين إعادة إدماج مستدامة للمستفيدين في بلدانهم الأصلية.
إن بلادنا كما عبر عن ذلك الوزير ترفض بقوة بأن تكون أرض توطين أو عبور فالجميع يعلم أن تونس ليست لها حدود مشتركة مع دول جنوب الصحراء التي يأتي منها أغلب المهاجرين غير النظاميين مرورا بأراضي جيراننا للأسف، إضافة إلى أننا دولة ذات سيادة وصاحبة قرار مستقل لا تقبل الاضطلاع بدور «شرطي المتوسط» الذي يتصادم مع أبنائه وأبناء قارته لحماية الحدود الجنوبية لدول الاتحاد الأوروبي التي كانت وما تزال المستفيدة الرئيسية من الدول الإفريقية وشعوبها.
إنها مناسبة متجدّدة للتذكير بالمقاربة التونسية المميزة لظاهرة الهجرة غير النظامية بشكل عام، وهي مقاربة شاملة ترتكز على المسؤولية المشتركة واحترام سيادة الدول والكرامة والذات البشرية وحقوق الإنسان والتصدّي لشبكات الاتجار بالبشر، أضف إلى ذلك تكثيف العمل الدولي لمعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية وضرورة وضع حلول أكثر فعالية لضمان التوازن بين مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز قنوات الهجرة الشرعية.
لقد حان الوقت كي لا نقول أننا تجاوزنا الوقت المناسب لجبر الضرر وإعادة الحق لأصحابه وتكريس قيم العدل والتضامن ومبدإ المصلحة المشتركة بالشكل الصحيح، فلم يعد مقبولا أن تواصل الدول النافذة الاستئثار دون مقابل، ليس بالثروات الطبيعية فقط ولكن ايضا بالثروات البشرية وبهذه الأدمغة التي تنزفها دولنا الإفريقية دون قيد أو شرط.
إن المراهنة على المنظمات الدولية ومن بينها المنظمة الدولية للهجرة بطبيعة الحال أمر محمود لأنه يعطي الشرعية والمشروعية لمقاومة الظواهر السلبية في المشهد الدولي ومن أبرزها وأخطرها الهجرة غير النظامية.
لتحقيق العدل في المشهد الدولي منظمة التجارة العالمية بحاجة ملحّة للإصلاح
تمثل الاجتماعات الدورية للأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة فرصة لتقييم عملها والوقوف على حقي…









