مقترح جديد لإحداث مجلّة موحّدة للطاقات المتجددة على طاولة البرلمان خيار إستراتيجي لكسب رهان السّيادة الطاقية
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على مستوى الطاقة، وتزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تقلبات أسعار المحروقات، يعود ملف الانتقال الطاقي في تونس إلى واجهة النقاش التشريعي، هذه المرة من بوابة مبادرة لإعداد مجلة خاصة بالطاقات المتجددة، يُنظر إليها كإطار قانوني شامل لإعادة رسم ملامح السياسة الطاقية الوطنية.
وقد تقدم بهذا المقترح النائب شفيق الزعفوري صحبة مجموعة من النواب.ومن بينهم النائب يسري البواب الذي أكد في تصريح لـ«الصحافة اليوم»، أن إحداث مجلة موحدة للطاقات المتجددة يمثل أولوية قصوى، في ظل ما تعيشه تونس من تحديات متزايدة على مستوى التزود بالطاقة وارتفاع كلفة التوريد، مشددًا على أن النموذج الطاقي الحالي، القائم أساسًا على الطاقات الأحفورية، أثبت محدوديته ولم يعد قادرًا على ضمان الاستقلالية والسيادة الوطنية.
ويأتي هذا التوجه في سياق دولي يتسم باضطرابات متواصلة، حيث أدت الأزمات الجيوسياسية، وخاصة الحرب في الشرق الأوسط، إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، ما انعكس مباشرة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومن بينها تونس التي تعاني أصلًا من عجز طاقي هيكلي. كما تتقاطع هذه التحديات مع التغيرات المناخية التي تفرض بدورها التحول نحو مصادر طاقة نظيفة ومستدامة.
إطار قانوني مشتّت
ويشير أصحاب المبادرة إلى أن الإطار التشريعي المنظم لقطاع الطاقات المتجددة في تونس ما يزال يعاني من التشتت وعدم الوضوح، حيث تتوزع النصوص القانونية على عدة قوانين وأوامر، وهو ما يعيق الاستثمار ويحدّ من نجاعة الحوكمة. ومن هذا المنطلق، تهدف المجلة المقترحة إلى تجميع هذه النصوص ضمن إطار موحد، يضبط المبادئ العامة وينظم مختلف المتدخلين، مع تبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين مناخ الأعمال.
وتتضمن المبادرة التشريعية نحو 48 فصلًا، موزعة على عدة أبواب تشمل الحوكمة، الاستثمار، التمويل، البنية التحتية، الجوانب البيئية، البحث العلمي، إلى جانب باب خاص بالعقوبات. كما تنصّ على اعتبار الطاقات المتجددة ثروة وطنية تخضع لسيادة الدولة وتُستغل لفائدة الشعب، في توجه يعكس الرغبة في تكريس الأمن الطاقي كخيار استراتيجي.
ولا تقتصر أهداف المجلة على البعد التنظيمي فحسب، بل تمتد لتشمل تحفيز الاستثمار العمومي والخاص في مجال الطاقات المتجددة، من خلال توفير حوافز واضحة وتبسيط المسارات الإدارية، بما يسمح بجذب رؤوس الأموال وتطوير المشاريع في هذا القطاع الواعد.
كما تراهن المبادرة على دعم البحث العلمي والتصنيع المحلي، بما يساهم في نقل التكنولوجيا وخلق نسيج صناعي مرتبط بالطاقة النظيفة، إلى جانب توفير مواطن شغل جديدة، خاصة في الجهات الداخلية التي تمتلك إمكانيات هامة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية.
وفي هذا الإطار، يقترح المشروع إحداث عدد من الهياكل، من بينها الوكالة الوطنية للطاقات المتجددة، والمجلس الأعلى للانتقال الطاقي، فضلًا عن صندوق وطني مخصص لتمويل المشاريع، بما يضمن استدامة الموارد وتنسيق السياسات العمومية في هذا المجال.
ويُعرض هذا المقترح حاليًا على أنظار مجلس نواب الشعب، حيث تمت إحالته إلى لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة، في انتظار انطلاق جلسات الاستماع إلى مختلف المتدخلين من خبراء ومؤسسات، تمهيدًا لمناقشته وإثرائه قبل المصادقة عليه.
ويؤكد النائب يسري البواب أن هذا المشروع لا يمثل نصًا نهائيًا بقدر ما هو أرضية عمل تهدف إلى تحريك السلطة التنفيذية وتسريع إعداد مجلة متكاملة، مشددًا على أهمية الحوار والتشاور مع مختلف الأطراف لضمان صياغة قانون يستجيب لمتطلبات المرحلة.
وأشار إلى أن الهدف من هذا المقترح يتمثل أساسًا في دفع السلطة التنفيذية إلى تقديم مشروعها الخاص، الذي يبدو أنه بصدد الإعداد، بما يتيح دراسة المشروعين بشكل متوازٍ والعمل على تحسينهما للوصول إلى صيغة أكثر نجاعة.
الانتقال الطاقي… خيار حتمي
وقد أصبح الانتقال الطاقي في تونس ضرورة اقتصادية وإستراتيجية تفرضها التحولات العالمية والضغوط الداخلية، وليس مجرد خيار سياسي أو بيئي. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطًا بإرادة سياسية واضحة، وإطار تشريعي فعّال، وقدرة حقيقية على التنفيذ.
ولفت في هذا السياق النائب يسري البواب إلى أن التطورات الجيوسياسية الراهنة، وعلى رأسها الحرب في الشرق الأوسط، وما تفرزه من تداعيات اقتصادية، تفرض على تونس اعتماد مقاربة استباقية لمواجهة التحديات المرتبطة بارتفاع أسعار النفط عالميًا. واعتبر أن الاستعداد لأي زيادات محتملة في أسعار المحروقات يستوجب البحث عن حلول بديلة، في مقدمتها الطاقات المتجددة.
وشدد محدثنا على أن تونس تتوفر على مقومات حقيقية لإنجاح مسار الانتقال الطاقي، سواء من حيث الإمكانيات الطبيعية أو موقعها الاستراتيجي، معتبرًا أن الاستثمار في هذا المجال لم يعد خيارًا بل ضرورة لتقليص العجز الطاقي وتحقيق التوازنات المالية على المدى المتوسط والبعيد.
الحرب في أسبوعها الرابع: الاقتصاد التونسي تحت ضغط أسعار الطاقة
مع دخول الحرب في الشرق الأوسط أسبوعها الرابع، لم تعد تداعياتها مقتصرة على الجبهات العسكرية…










