نحو إصلاح حوكمة المنشآت الرياضية: مقترح قانون لإحداث ديوان وطني للتّصرف والصيانة
ينظر مجلس نواب الشعب في مقترح قانون جديد يهدف إلى إحداث صنف من المؤسسات العمومية يتولى التصرف في المنشآت الرياضية وصيانتها، في محاولة لمعالجة الإشكاليات المتراكمة التي يعاني منها القطاع، خاصة على مستوى الحوكمة وجودة البنية التحتية.
وفي هذا الإطار، عقدت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية مؤخرا ، جلسة الاستماع إلى جهة المبادرة، التي قدمت عرضًا مفصلًا حول خلفيات هذا المقترح وأهدافه. وأكد ممثلوها أن البنية التحتية الرياضية في تونس شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا كميًا ملحوظًا، سواء من حيث عدد الملاعب أو قاعات الرياضة، إضافة إلى ارتفاع عدد المجازين، وهو ما يعكس تزايد الإقبال على النشاط الرياضي.غير أن هذا التطور، وفق تقديرهم، لم يكن مصحوبًا بتحسن نوعي في مستوى التجهيزات أو جودة المنشآت، حيث ما تزال العديد من الفضاءات الرياضية تعاني من نقائص هيكلية، تتعلق بالأرضيات والإنارة والمدارج وتجهيزات السلامة، فضلًا عن عدم مطابقة عدد من الملاعب للمعايير الدولية، وهو ما يحدّ من قدرة تونس على استضافة التظاهرات الرياضية الكبرى.
كما لفتت جهة المبادرة إلى ضعف استغلال المنشآت الرياضية اقتصاديًا خارج أوقات المنافسات، إلى جانب تعطل مشاريع الصيانة والتجديد بسبب التعقيدات الإدارية ونقص التمويل، ما ساهم في تدهور حالة عدد من المرافق الرياضية وتراجع مردوديتها.
وأرجع ممثلو المبادرة هذه الوضعية إلى جملة من الإشكاليات الهيكلية، أبرزها تشتت المسؤوليات بين عدة متدخلين، من وزارات وبلديات وجامعات رياضية وأندية، في ظل غياب هيكل موحّد يتولى إدارة هذه المنشآت. كما أشاروا إلى ضعف الحوكمة ومحدودية الموارد المالية، فضلًا عن نقص الكفاءات المختصة في مجالات التصرف والصيانة.
واعتبروا أن تداخل الصلاحيات بين مختلف الأطراف أدى إلى غياب المساءلة وتعطل اتخاذ القرار، إضافة إلى غياب رؤية استراتيجية وطنية طويلة المدى لتطوير القطاع، وهو ما انعكس سلبًا على الأداء الرياضي وعلى القدرة التنافسية لتونس إقليميًا ودوليًا.
وفي هذا السياق، اقترحت جهة المبادرة إحداث «ديوان وطني للمنشآت الرياضية»، كمؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية، تتولى إدارة وصيانة واستغلال المنشآت الرياضية العمومية. ومن المنتظر أن يشرف هذا الديوان على الصيانة الدورية، ويتولى إبرام عقود استغلال مع الأندية والهياكل الرياضية، إلى جانب متابعة الحالة الفنية للمنشآت والتدخل السريع عند الحاجة.
ويهدف هذا المشروع إلى توحيد منظومة التصرف في المنشآت الرياضية، وتحسين جودة البنية التحتية وفق المعايير الدولية، فضلًا عن تقليص الفوارق الجهوية في التجهيزات، خاصة في المناطق الداخلية. كما يسعى إلى تخفيف العبء المالي على الدولة من خلال تطوير الموارد الذاتية وتحسين استغلال هذه المنشآت، بما يحوّلها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية المحلية.
أما بخصوص التمويل، فقد اقترحت جهة المبادرة أن يتم في مرحلة أولى رصد اعتمادات من ميزانية الدولة، على أن يتم لاحقًا دعم موارد الديوان عبر عائدات الاستغلال، وإبرام شراكات مع القطاع الخاص، إضافة إلى الاستفادة من برامج التعاون الدولي.
ومن المنتظر ان تواصل اللجنة النظر في هذا المقترح عبر تنظيم جلسات استماع إضافية لمختلف الأطراف المعنية، بهدف إثراء المشروع وضمان نجاعته قبل عرضه على الجلسة العامة.
شراكة واقعية بضمانات سيادية
وعن الحلول التي يطرحها هذا المشروع بين النائب محمد أمين الورغي، أحد أصحاب المبادرة، في تصريحه لـ«الصحافة اليوم»، ان الأزمة لم تعد تقنية بل هي «مرآة لاختلال السياسات العمومية»؛ حيث تكشف الأرقام مفارقة صارمة: تملك تونس أكثر من 1779 قاعة و377 ملعب معشب لكن بجودة متدنية تسببت في حرمان البلاد من احتضان تظاهرات قارية ودولية، وتحوّلت الصيانة من إجراء دوري إلى تدخلات طارئة مكلفة تستنزف خزينة الدولة.
ويعتبر الورغي ان المقترح يسعى الى إنهاء «فوضى الصلاحيات» وتحرير القرار من خلال وضع حد لحالة التشتت الإداري بين وزارة الشباب والرياضة، والبلديات، والجامعات الرياضية، ووزارة التجهيز. وذكر ان إحداث «الديوان» سيساهم في ان يكون الهيكل المركزي الوحيد المسؤول عن إدارة وصيانة واستغلال المنشآت، محوّلاً العلاقة مع الأندية والبلديات إلى علاقات تعاقدية واضحة، وتستبدله بحوكمة تقوم على «هيكل واحد ومحاسبة واحدة».
ومن الناحية العملية، قال محدثنا ان المشروع يقترح إحداث ثورة في نمط الإدارة عبر تحويل الملاعب والقاعات من عبء مالي على الدولة إلى وحدات اقتصادية ذات مردودية. وسيعتمد الديوان على تنويع مصادر الدخل من خلال عقود الإشهار، وكراء الفضاءات الجانبية، واستغلال حقوق التسمية، وتوظيف الرقمنة في عمليات الحجز والمتابعة. متابعا: «هذا المنطق التجاري لن يكون على حساب المواطن، بل سيُستخدم لتمويل «حق النفاذ» للعموم؛ حيث تساهم الأرباح التجارية في تغطية تكاليف صيانة المرفق العام وضمان توفره بأسعار اجتماعية مدروسة».
وفي ظل محدودية الموارد العمومية، يطرح المشروع الشراكة مع القطاع الخاص كخيار استراتيجي مستلهم من تجارب ناجحة في المغرب والكوت ديفوار وأوروبا. وتعتمد هذه الفرضية على فصل الملكية (التي تبقى للدولة) عن الاستغلال (الذي يمكن تفويضه للقطاع الخاص تحت رقابة الديوان).
ولتفادي هيمنة منطق الربح، يضع المشروع «عقود أهداف» صارمة تضمن الحفاظ على الصبغة الاجتماعية للمنشأة، وتلزم المستثمرين بمعايير صيانة دورية، مما يحول دون تآكل الأصول العمومية ويضمن استمرارية دور الرياضة كأداة للإدماج الاجتماعي والتنمية الجهوية.
لجنة الفلاحة تطرح إشكاليات قطاع الصيد البحري وظروف العمل بالموانئ والتلوث البحري: وضع إجراءات لإصلاح القطاع والحفاظ على الثروة البحرية
يواجه قطاع الصيد البحري في تونس جملة من التحديات المتراكمة التي باتت تهدد توازنه واستدامته…


