في الذكرى 88 لعيد الشهداء، نوّاب يقيّمون أداء البرلمان: بين الوفاء لتضحيات الشهداء وتحدّيات النجاعة التشريعية
تحيي تونس اليوم الذكرى 88 لـعيد الشهداء تخليدًا لـأحداث 9 أفريل 1938، التي مثّلت محطة حاسمة في مسار النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي. جاءت هذه الأحداث في سياق أزمة اقتصادية واجتماعية وتصاعد الوعي السياسي، خاصة مع بروز الحزب الحر الدستوري الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة.
فقد تصاعدت الاحتجاجات خلال مارس وأفريل 1938 على خلفية الاعتقالات والقمع، وبلغت ذروتها يومي 8 و9 أفريل بخروج مظاهرات شعبية واسعة بقيادة مناضلين على غرار علي البلهوان، مطالبة ببرلمان تونسي. وقد واجهت سلطات الحماية هذه التحركات بالقوة، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء وآلاف المعتقلين، وإحالة القيادات الوطنية على المحاكم العسكرية.
ومثّلت هذه الأحداث تحوّلًا من العمل السياسي إلى المواجهة المباشرة، ورسّخت رمزية 9 أفريل كعنوان للتضحية والوحدة الوطنية في الذاكرة التونسية.
وقد أكد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة أن ذكرى 9 أفريل تمثل محطة لتجديد الوفاء للشهداء واستلهام نضالاتهم، داعيًا إلى توحيد الجهود وتعزيز السيادة الوطنية لمواجهة التحديات القادمة.
بمناسبة إحياء عيد الشهداء، واستحضار رمزية أحداث 9 أفريل 1938، يتحدّث عدد من النواب لـ«الصحافة اليوم» عن دلالات هذا التاريخ وتقييمهم لأداء البرلمانات ما بعد الاستقلال، وكذلك البرلمان الحالي المنبثق عن دستور 2022، بين رهانات الوفاء لتضحيات الماضي وتحديات الاستجابة لانتظارات التونسيين اليوم.
عبد الرزاق عويدات: حلم البرلمان تحقق… والتحدي اليوم في تحسين أوضاع التونسيين
أفاد النائب عبد الرزاق عويدات أن تاريخ 9 أفريل يكتسي رمزية كبيرة باعتباره عنوان مطالبة الشعب التونسي ببرلمان وطني، وهو الحلم الذي ناضل من أجله الآباء والأجداد وتحقق بعد الاستقلال بإعلان الجمهورية وإحداث أول برلمان في تونس، بهدف تجسيد آمال الشعب وترجمة تطلعاته.
وأضاف أن هذا المكسب يظلّ مرتبطًا بمدى قدرة المؤسسة التشريعية على تحسين أوضاع المواطنين، معتبرًا أن «البرلمان الذي لا يسعى إلى ذلك فليس ببرلمان»، وفق تعبيره.
وشدد على أن دور البرلمان اليوم يتمثل في تحقيق «ثورة تشريعية» حقيقية من شأنها دعم الأمن الغذائي وتحسين مستوى العيش، وذلك بالتعاون مع السلطة التنفيذية التي يفترض أن تضطلع بدورها في تقديم مشاريع قوانين كبرى، على غرار مجلة الصرف، الإصلاح التربوي، المحكمة الدستورية وقانون الهياكل الرياضية، إلى جانب مشاريع أخرى تمسّ الحياة اليومية للتونسيين.
وفي ما يتعلق بالانتقادات الموجهة لأداء المجلس، اعتبر أنها غير موضوعية، موضحًا أن البرلمانات في العالم تناقش مشاريع قوانين حكومية، في حين أن النواب في تونس وجدوا أنفسهم في موقع المبادرة، حيث تقدموا بعدد من المقترحات مثل مجلة الصرف ومجلة المياه والغابات ومجلة الاستثمار والمحكمة الدستورية، وهو ما يجعل جزءًا كبيرًا من المسؤولية يعود إلى الحكومة التي لم تقدّم بالنسق المطلوب مشاريع القوانين.
ياسر القوراري: من رمزية الوحدة إلى ضرورة استكمال التحرر الوطني
من جهته، أكد النائب ياسر القوراري أن تاريخ 9 أفريل يعكس وحدة التونسيين وتكاتفهم في مواجهة المستعمر، ويجسد محطة مركزية سالت فيها دماء التونسيين من أجل الانعتاق والحرية.
وبيّن أن المطالب آنذاك تمحورت حول إحداث برلمان تونسي، وهو ما تحقق لاحقًا، إلا أن الاستقلال السياسي، وفق تقديره، يبقى غير كافٍ ما لم يُستكمل بتحرر اقتصادي واجتماعي فعلي.
واعتبر أن البرلمان اليوم محمول عليه تجسيد تطلعات التونسيين الذين قدّموا تضحيات جسيمة، داعيًا إلى أن تتواصل «معركة التحرر الوطني» من خلال تشريعات واضحة وموجهة تخدم هذا الهدف.
كما حذّر من الوقوع في ما أسماه «الإلهاء التشريعي»، أي الانشغال بكثافة قوانين لا تمسّ جوهر القضايا الوطنية، وهو ما قد يبعد المؤسسة التشريعية عن أولوياتها الحقيقية.
ودعا في هذا السياق إلى أن تركز اللجان البرلمانية على نصوص بعينها، خاصة القوانين ذات الطابع الاجتماعي التي تؤسس لمجتمع أكثر عدلاً، إلى جانب قوانين اقتصادية تكرّس النمو وتضمن توزيعًا عادلًا للثروة بين مختلف الفئات والجهات.
بسمة الهمامي: بين مكاسب الدولة الوطنية والانحرافات… الحاجة إلى تصحيح المسار
أما النائب بسمة الهمامي، فاعتبرت أن يوم 9 أفريل يمثل مناسبة يستحضر فيها التونسيون تضحيات الشهداء في مقاومة الاستعمار، حيث سقطوا وهم يطالبون باستقلال البلاد وإرساء برلمان تونسي وحكومة وطنية.
وأوضحت أنه رغم أن برلمانات ما بعد الاستقلال استجابت نسبيًا لتلك المطالب، خاصة من خلال بناء مؤسسات الدولة وترسيخ منظومة الحقوق والواجبات وإصدار مجلة الأحوال الشخصية، فإن ذلك تم في إطار مشروع وطني بروح انتصارية لبناء دولة ذات خدمات عمومية.
غير أنها أشارت إلى أن هذا المسار شهد لاحقًا انحرافات، ما أدى إلى بروز احتجاجات اجتماعية انتهت بالثورة التونسية في 17 ديسمبر 2010 التي رفعت شعارات الحرية والكرامة، نتيجة عدم استجابة الواقع لانتظارات المواطنين.
وأضافت أن مرحلة ما بعد الثورة عرفت بدورها إخلالات، معتبرة أن حتى دستور 2014 لم يحقق التطلعات، مستحضرة في هذا السياق تجربتها الشخصية في الاحتجاجات الاجتماعية سنة 2011، وكذلك أحداث 9 أفريل 2012 التي شهدت منع التظاهر.
وأكدت أن لا شيء اليوم يجب أن يمنع التونسيين من تكريم شهدائهم، داعية إلى رد الاعتبار لهم ولعائلاتهم وكتابة التاريخ بشكل صحيح. كما شددت على ضرورة تطبيق القوانين المتعلقة بالتشغيل وتحقيق العدالة الجهوية، معتبرة أن البرلمان الحالي مطالب بترجمة شعارات الثورة عبر إصلاحات حقيقية، خاصة في ما يتعلق بتنمية الجهات الداخلية وضمان حقها في الاستثمار والبنية التحتية، في إطار ما وصفته بفرصة لإحداث ثورة تشريعية وإدارية وتنموية.
كمال الفراح: مسار تراكمي وإشكاليات في نسق التشريع
من جانبه، أوضح النائب كمال الفراح أن أحداث عيد الشهداء انطلقت يوم 8 أفريل وتواصلت يوم 9 أفريل، حيث رفع التونسيون شعارات تطالب ببرلمان وحكومة وطنية، قبل أن تتحول إلى مواجهة مباشرة مع الاستعمار الفرنسي، سقط خلالها عدد من الشهداء، وهو ما يجعل من هذه المناسبة مصدر إلهام لاستخلاص الدروس والعبر.
وأشار إلى أن العمل البرلماني في تونس هو مسار تراكمي بدأ مع المجلس الوطني التأسيسي الذي وضع أسس الدولة المستقلة وصاغ دستور البلاد، وضم نخبة من المناضلين، ثم تواصل عبر البرلمانات المتعاقبة التي قدمت إسهامات متفاوتة في بناء الدولة.
وبيّن أن البرلمان الحالي، المنتخب على أساس الترشحات الفردية، يعمل أحيانًا في تناغم وتكامل مع السلطة التنفيذية وأحيانًا في إطار اختلاف، لكن الهدف يظل خدمة مصلحة الشعب التونسي.
وفي ما يتعلق بالنقائص، أبرز وجود بطء في مستوى العمل التشريعي يعود أساسًا إلى تأخر إرسال مشاريع القوانين من قبل الحكومة، وهو ما انعكس على ملفات حيوية مثل الإصلاح التربوي، مجلة المياه، مجلة الاستثمار وقانون الهياكل الرياضية.
وأكد في هذا السياق ضرورة تحيين هذه القوانين ومواكبة التحولات المتسارعة عالميًا، خاصة في مجالات التعليم والتنمية، مشددًا على أن نسق التغيير في العالم يفرض على تونس تسريع وتيرة الإصلاحات التشريعية.
علي زغدود: معركة التحرر متواصلة… والوفاء للشهداء يكون بحماية السيادة الوطنية
وأكد النائب علي زغدود، ان إحياء ذكرى عيد الشهداء الموافق لـ9 أفريل 1938، مناسبة لا تقتصر على استحضار الماضي أو الترحم على أرواح الشهداء، بل تمثل محطة متجددة لاستلهام روح النضال التي خاضها التونسيون في مواجهة الاستعمار.
وأوضح أن شهداء 9 أفريل لم يكونوا ضحايا ظرف عابر، بل كانوا، وفق تعبيره، طلائع وعي وطني ثائر أدرك أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الاستقلال كان ثمرة تضحيات جسام قدمها شعب أعزل إلا من إرادته. وأضاف أن تلك المحطة التاريخية شكلت لحظة مفصلية رسمت معالم الطريق نحو بناء دولة تونسية مستقلة ذات سيادة.
وأشار زغدود إلى أن معركة التحرر، رغم تحقق الاستقلال السياسي، لم تنتهِ، بل اتخذت أشكالاً جديدة، تتجسد اليوم في مواجهة ما وصفه بالهيمنة السياسية والاقتصادية، داعيًا إلى ضرورة التمسك بالسيادة الوطنية ورفض كل أشكال الارتهان للخارج.
كما شدد على أن الوفاء الحقيقي لدماء الشهداء يمر عبر تجسيد مبادئهم على أرض الواقع، من خلال الدفاع عن استقلال القرار الوطني، والعمل على بناء اقتصاد قائم على التعويل على الذات، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة التونسيين.
وشدد على أن استكمال مسار التحرر الشامل يظل هدفًا وطنيًا، من أجل تونس حرة، وقادرة على مواجهة التحديات.
نحو إصلاح حوكمة المنشآت الرياضية: مقترح قانون لإحداث ديوان وطني للتّصرف والصيانة
ينظر مجلس نواب الشعب في مقترح قانون جديد يهدف إلى إحداث صنف من المؤسسات العمومية يتولى الت…





