2026-04-10

أمام تردّي خدمات المرفق البلدي: هل يؤدّي الوضع الحالي إلى التّسريع بالانتخابات البلدية ؟

انتقد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال زيارته إلى ولاية المنستير، ما وصفه بحالة الفوضى وإهدار المال العام داخل المرافق البلدية، خاصة على مستوى المعدات والمحجوزات وتراكم الفضلات، معتبرًا أن تعطّل القرارات وتقصير المصالح البلدية فاقما الوضع.

وتعيد هذه التصريحات الجدل حول أسباب تراجع الخدمات، بين من يعتبرها نتيجة لضعف الحوكمة والخبرة، ومن يربطها أساسًا بنقص الإمكانيات والموارد في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلديات.

وتعيش البلديات منذ حلّ المجالس المنتخبة وضعًا استثنائيًا، حيث أُوكلت مهام التسيير بالكامل إلى الإطارات الإدارية، في انتظار استكمال الإطار القانوني الجديد للجماعات المحلية. هذا الواقع أعاد طرح سؤال ملحّ: هل يمكن أن يؤدي الوضع الحالي إلى التسريع في تنظيم الانتخابات البلدية؟

في هذا السياق، اعتبر رئيس الجامعة الوطنية للبلديات التونسية فتحي الماجري أن ما تعيشه البلديات اليوم يمثل «سابقة تاريخية»، إذ تُدار الشؤون المحلية لأول مرة دون مجالس منتخبة، وهو ما ألقى بعبء كبير على الكتّاب العامين والمصالح البلدية. وأوضح أن هذه الوضعية أثّرت على نسق الخدمات في عدد من المناطق، خاصة في ظل تزايد مطالب المواطنين مقابل محدودية الإمكانيات البشرية والمالية.

وتُعدّ البلديات الحلقة الأقرب إلى المواطن، إذ تضطلع بمهام يومية أساسية تشمل النظافة، والإنارة العمومية، وصيانة الطرقات، والتصرف في الفضاء العام. غير أن إدارة هذه الملفات من قبل الجهاز الإداري فقط، دون غطاء سياسي منتخب، خلق نوعًا من الازدواجية في الأدوار، حيث بات الإطار الإداري مطالبًا باتخاذ القرار وتنفيذه ومراقبته في الآن ذاته.

تردّي الخدمات

وقد انعكس هذا الوضع، وفق عدد من المتابعين، في شكل بطء في الاستجابة لبعض المطالب، أو تراجع نسبي في جودة الخدمات، خاصة في البلديات ذات الإمكانيات المحدودة أو حديثة الإحداث.

إلى جانب الإشكال السياسي المرتبط بغياب المجالس المنتخبة، تواجه البلديات جملة من الصعوبات الهيكلية، من أبرزها نقص الموارد البشرية، خاصة في سلك الشرطة البلدية والحرس البلدي، وهو ما ساهم في تفشي مظاهر الاستغلال العشوائي للفضاء العام والبناء غير المنظم.

كما تعاني البلديات من تفاوت كبير في وضعها المالي، إذ تتمتع أقلية منها بتوازن نسبي يسمح بتنفيذ مشاريع وخدمات، في حين تعاني الأغلبية من عجز هيكلي يحدّ من قدرتها على التدخل. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع التوسع العمراني واعتبار كامل التراب التونسي ترابًا بلديًا، دون أن يوازي ذلك دعم كافٍ في الموارد.

ومن بين الإشكاليات المطروحة أيضًا، عجز البلديات عن صيانة بعض المنشآت، خاصة الرياضية منها، نظرًا لارتفاع كلفة الصيانة ونقص الكفاءات التقنية، ما دفع إلى طرح مقترحات بإحداث هياكل مركزية مختصة لتخفيف العبء عن الجماعات المحلية.

في ظل هذه التحديات، يتجه النقاش نحو ضرورة إعادة إرساء المجالس البلدية المنتخبة باعتبارها ركيزة أساسية في الحوكمة المحلية، وضامنًا للتوازن بين القرار الإداري والرقابة الديمقراطية.

وفي هذا الإطار، أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه مؤخرا برئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، على ضرورة الاستعداد لتنظيم الانتخابات البلدية، وذلك بعد استكمال صياغة القانون الأساسي الجديد المتعلق بالجماعات المحلية. وهو ما يعكس توجّهًا رسميًا نحو إنهاء المرحلة الانتقالية وإعادة الشرعية السياسية للعمل البلدي.

غير أن تنظيم هذه الانتخابات يبقى رهين استكمال الإطار التشريعي، وتوضيح ملامح النظام المحلي الجديد، خاصة في ظل التحولات التي أقرّها دستور 2022، والتي أعادت رسم العلاقة بين المركز والجهات.

صعوبات هيكلية

وعن مسار هذا الاستحقاق أكّد محمد أحمد، رئيس لجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية والقوانين البرلمانية والوظيفة الانتخابية في تصريح لـ»الصحافة اليوم»، أنّ الوضع الحالي للبلديات لم يعد قابلاً للاستمرار، ويستوجب التسريع في تنظيم انتخابات بلدية في أقرب الآجال. وأوضح أنّ الكاتب العام للبلدية، رغم تمتعه بصلاحيات واسعة، يعمل تحت ضغط كبير ودون التمتع بالامتيازات الضرورية، وهو ما يؤثر سلبًا على مردودية العمل البلدي.

وأشار إلى أنّ تجربته السابقة في رئاسة بلدية مكّنته من الوقوف على إيجابيات منظومة الحكم المحلي، التي اتسمت آنذاك بنوع من التنافسية، مبرزًا أنّ مسألة النظافة لم تكن تمثل أولوية كبرى كما هو الحال اليوم، حيث أصبحت في صدارة اهتمامات البلديات.

كما بيّن أنّ مجلس نواب الشعب استمع إلى رأي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي اعتبرت سنة 2026 الموعد الأنسب لتنظيم الانتخابات البلدية، في ظل وجود استحقاقات انتخابية أخرى خلال السنوات المقبلة.

وفي ما يتعلق بالإطار القانوني، أفاد بأنّ هناك مقترحًا بصدد الصياغة لتنقيح مجلة الجماعات المحلية بما يتماشى مع دستور 2022، دون تحديد موعد رسمي لعرضه إلى حد الآن، مشيرًا في المقابل إلى استعداد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لتنظيم هذا الاستحقاق.

وشدّد على ضرورة أن يتضمن القانون الجديد تحديدًا دقيقًا لصلاحيات المجلس البلدي، خاصة في ظل وجود مجلس محلي للتنمية، مع توضيح طبيعة العلاقة بين مختلف السلط المحلية والجهوية، بما يضمن حوكمة محلية أكثر نجاعة وتكاملًا.

المسار القانوني

من جانبه أبرزمحمد التليلي المنصري أن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تواصل استعداداتها تحسّبًا لأي مستجدّ يتعلق بالانتخابات البلدية، رغم عدم توفّر معطيات لديها بخصوص القانون الأساسي المنظم للبلديات. وأوضح في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن الهيئة تعقد اجتماعات دورية لضمان الجاهزية الكاملة فور صدور أمر دعوة الناخبين.

وبيّن أن تنظيم الانتخابات البلدية لا يطرح إشكاليات مالية، باعتبار أن الميزانية مرصودة مسبقًا لهذا الاستحقاق، مشيرًا إلى أن الإطار القانوني للعملية الانتخابية متوفر من خلال المرسوم عدد 8، بعد تنقيح القانون الانتخابي في ما يتعلق بالانتخابات البلدية واعتماد نظام الاقتراع على الأفراد أو القائمات المفتوحة. كما أوضح أن رئيس البلدية سيكون من بين المترشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، خلافًا للنظام السابق الذي كان يتم فيه انتخابه داخل المجلس البلدي.

وفي المقابل، اعتبر أن استكمال الإطار القانوني يظل مرتبطًا بصدور القانون الأساسي للبلديات الذي سيعوّض مجلة الجماعات المحلية، مؤكّدًا أن هذه المسألة ليست معقدة ويمكن لمجلس نواب الشعب استكمالها في إطار دوره التشريعي.

وشدّد المنصري على أن تنظيم الانتخابات البلدية يظل رهين قرار سياسي يتمثل أساسًا في إصدار أمر دعوة الناخبين، مبرزًا أن هذه الانتخابات ليست دورية، بل ستُجرى في سياق جديد بعد حلّ المجالس البلدية. وأشار إلى أن تحديد موعدها لا يدخل ضمن صلاحيات الهيئة، التي تبقى جاهزة من الناحية التقنية والإدارية لتنفيذ هذا الاستحقاق متى توفرت الشروط القانونية.

كما كشف عن وجود قناعة متزايدة بضرورة إجراء الانتخابات البلدية، لافتًا إلى أن هذا الملف طُرح خلال اللقاء الأخير بين رئيس الهيئة ورئيس الجمهورية، وكذلك في مجلس نواب الشعب أثناء مناقشة ميزانية الهيئة، غير أن القرار النهائي يظل سياسيًا بالأساس.

يبدو أن التسريع في تنظيم الانتخابات البلدية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة تفرضها تعقيدات الواقع الميداني. فاستمرار الوضع الحالي قد يفاقم من صعوبات التسيير ويحدّ من نجاعة التدخل البلدي، في حين أن عودة المجالس المنتخبة من شأنها أن تعيد التوازن وتدعم المشاركة المحلية.

لكن في المقابل، يظل نجاح هذا الاستحقاق مرتبطًا بمدى وضوح الإطار القانوني، وجاهزية الهيئة المشرفة، وقدرة الدولة على توفير الشروط اللوجستية والمالية لتنظيم انتخابات شفافة وناجعة.

‫شاهد أيضًا‬

في الذكرى 88 لعيد الشهداء، نوّاب يقيّمون أداء البرلمان: بين الوفاء لتضحيات الشهداء وتحدّيات النجاعة التشريعية

تحيي تونس اليوم الذكرى 88 لـعيد الشهداء تخليدًا لـأحداث 9 أفريل 1938، التي مثّلت محطة حاسم…