2026-04-29

في شهر التراث : تكرونة… ذاكرة الحجر وحنين الروح

في كلّ عام، ومع حلول شهر التراث، تتجدّد في تونس لحظة تأمّل جماعي في ذاكرتنا الحضارية، حيث تتحوّل البلاد إلى فضاء مفتوح للاحتفاء بما تختزنه من معالم وموروثات تشهد على تعاقب الحضارات وتنوّعها. إنّه شهر لا يقتصر على الزيارة أو المشاهدة، بل هو دعوة صريحة لإعادة اكتشاف الذات التونسية، والوعي بقيمة التراث باعتباره ركيزة للهوية ورافعة للمستقبل.

وفي هذا السياق، تبرز قرية تكرونة كواحدة من أبرز الشواهد الحيّة على هذا الغنى. تقع هذه القرية البربرية على ربوة صخرية شاهقة في ولاية سوسة، وقد سكنها الإنسان منذ قرون طويلة، حيث تعاقبت عليها حضارات متعددة، من الأمازيغ إلى الفترات الإسلامية ثم العثمانية. وقد تميّزت تكرونة بهندستها المعمارية الفريدة، حيث بُنيت بيوتها بالحجارة المحلية، متكيفة مع طبيعة الجبل، في انسجام تام مع البيئة المحيطة. كما لعبت القرية دورًا تاريخيًا مهمًا، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، حين كانت موقعًا استراتيجيًا.

لكن تكرونة ليست مجرد موقع تاريخي؛ إنها روح حيّة، وذاكرة جماعية، ومكان تنسج فيه الطبيعة مع الإنسان قصة استثنائية من التكيّف والإبداع.

إن شهر التراث، الذي ينتظم سنويًا تحت إشراف المعهد الوطني للتراث ووزارة الشؤون الثقافية، يهدف إلى ترسيخ الوعي بأهمية حماية هذا الإرث، من خلال تظاهرات ثقافية، وزيارات ميدانية، وأنشطة تربوية تسعى إلى ربط الأجيال الجديدة بتاريخها.

تجربتي الشخصية… بين الأمس واليوم

حين كنتُ صغيرة، كانت تكرونة بالنسبة إليّ عالمًا سحريًا. أتذكّر جيّدًا تلك اللحظات التي كنت أقف فيها على حافة الربوة، أراقب غروب الشمس وهي تغمر السهول بلونها الذهبي الدافئ. كان المشهد يأسرني، وكأن الزمن يتوقّف احترامًا لجمال اللحظة.

كان صوت الناي ينساب في الأرجاء، حزينًا وعذبًا، يحمل معه حكايات المكان. كانت الرياح تداعب وجهي برفق، وتحمل معها رائحة مميزة لا تشبه أي مكان آخر… رائحة الأرض، والتاريخ، والحياة. كان صوت الناي ينساب في الأرجاء، حزينًا وعذبًا، يحمل معه حكايات المكان. كانت الرياح تداعب وجهي برفق، وتحمل معها رائحة مميزة لا تشبه أي مكان آخر… رائحة الأرض، والتاريخ، والحياة.

الأزقة كانت مليئة بالحركة، والمقاهي تعجّ بالزوّار، والضحكات تتردّد بين الجدران الحجرية. الناس كانوا يعيشون ببساطة ورضا، وجوههم مضيئة، وأرواحهم متصالحة مع المكان. كانت تكرونة حيّة… تنبض بالحياة.

لكن حين عدتُ إليها مؤخرًا، وجدتُ واقعًا مختلفًا تمامًا. الصمت أصبح سيّد المكان، والمقاهي أغلقت أبوابها، والمتحف الذي كان يروي تاريخ القرية لم يعد يستقبل الزوّار. بعض البيوت بدأت تتداعى، وأخرى تضرّرت، خاصة بعد سقوط إحدى الحجارة التي تركت أثرًا عميقًا، ليس فقط في البنية، بل في نفوس الأهالي.

شعرتُ حينها بحزن عميق… كأنني فقدت جزءًا من طفولتي، أو كأن المكان الذي أحببته لم يعد يعرفني. لم تعد تلك الحيوية، ولا تلك الأصوات، ولا حتى تلك الروائح كما كانت.

نداء من القلب

في شهر التراث، لا يجب أن نكتفي بالحنين، بل علينا أن نحوّله إلى فعل. تكرونة ليست وحدها؛ هناك العديد من المواقع في تونس التي تواجه نفس المصير. إن الحفاظ على التراث ليس مسؤولية الدولة فقط، بل هو واجب جماعي يشمل كل فرد منّا.

علينا أن نعيد الحياة إلى هذه الأماكن، أن ندعمها، نزورها، نعرّف بها، ونطالب بحمايتها. فحين نفقد تراثنا، نفقد جزءًا من هويتنا.

لينا الفقي

‫شاهد أيضًا‬

عامر بحبة : ظاهرة الحمل الحراري تنذر بتقلبات جوية منتظرة  

أفاد الأُستاذ المُبرّز في الجُغرافيا والباحث في المُناخ، عامر بحبة، أن “البلاد التون…