2026-05-03

في ذكرى رحيله : هكذا فكّك محمد عابد الجابري بنية العقل العربي …

في مثل هذا اليوم 3 ماي عام 2010 رحل المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري.

وفي ذكرى رحيله  نستعيد مشروعًا فكريًا يُعدّ من أبرز المحاولات العربية الحديثة لإعادة بناء العقل العربي على أسس نقدية صارمة، بعيدًا عن التكرار والتقديس، وقريبًا من روح العصر وأسئلته العميقة.

كان الجابري الذي ولد يوم 27 ديسمبر 1935   صاحب مشروع متكامل انطلق من اشتغاله على التراث الى السعي الى تفكيك بنية العقل العربي  كما تشكّلت عبر القرون. في رباعيته الشهيرة “نقد العقل العربي”، التي تضم: تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي، قدّم قراءة تحليلية دقيقة للأنساق المعرفية التي حكمت الثقافة العربية الإسلامية، مميزًا بين ثلاثة نظم معرفية: البيان، العرفان، والبرهان.

واعتبر الجابري أن أزمة الفكر العربي المعاصر ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية، حيث هيمن البيان (النص واللغة) والعرفان (التصوف والمعرفة الباطنية) على حساب البرهان (العقلانية والمنطق). ومن هنا جاءت دعوته إلى إعادة الاعتبار للعقل البرهاني، بوصفه الأداة القادرة على إنتاج معرفة نقدية حديثة، تواكب التحولات العالمية.

في هذا السياق، يتقاطع الجابري مع أسماء فكرية كبرى مثل ابن رشد، الذي اعتبره ممثلًا للعقل البرهاني في التراث العربي الإسلامي، في مقابل تيارات أخرى مثل التصوف الفلسفي عند ابن عربي أو النزعة البيانية التي تجد جذورها في علوم اللغة والفقه. غير أن استدعاء هذه الأسماء لم يكن من باب المفاضلة الأخلاقية، بل من باب إعادة ترتيب الحقول المعرفية وفق معايير عقلانية حديثة

ولعل ما يميز مدونته الفكرية هو تلك الجرأة في مساءلة المسكوت عنه، دون الوقوع في القطيعة التامة مع التراث. فقد كان الجابري يؤمن بضرورة “قراءة التراث قراءة معاصرة”، أي فهمه في سياقه التاريخي، ثم إعادة توظيفه بما يخدم الحاضر. لم يكن هدفه هدم التراث، بل تحريره من القراءات الجامدة التي تعيق تطور الفكر.

وما يلفت الانتباه في مشروعه الفكري أيضا  هو منهجه الصارم، الذي يجمع بين التحليل الإبستمولوجي والقراءة التاريخية. فقد تأثر في هذا الجانب بمناهج حديثة في دراسة المعرفة، مثل أعمال ميشيل فوكو وغاستون باشلار، لكنه لم يقع في الاستنساخ، بل عمل على تبيئة هذه المناهج داخل السياق العربي، بما يخدم مشروعه النقدي

كما انشغل الجابري بقضايا السياسة والأخلاق، معتبرًا أن إصلاح العقل لا ينفصل عن إصلاح الواقع. ففي تحليله للعقل السياسي العربي، كشف عن آليات اشتغال السلطة التقليدية، المرتبطة بالقبيلة والغنيمة والعقيدة، وهي ثلاثية رأى أنها ما تزال تؤثر في بنية الدولة العربية الحديثة. أما في حديثه عن العقل الأخلاقي، فقد دعا إلى تأسيس منظومة قيمية جديدة، تنبع من الواقع العربي، لكنها منفتحة على القيم الكونية.

ورغم ما أثاره هذا المشروع من جدل واسع، سواء من قبل المدافعين عن التراث أو من قبل تيارات أخرى رأت فيه انتقائية أو إقصاء لبعض مكونات الثقافة العربية، فإن قيمة الجابري تكمن تحديدًا في هذا الجدل. فقد أعاد طرح الأسئلة الكبرى: ما هو العقل العربي؟ كيف تشكل؟ ولماذا تعثر؟ وهي أسئلة لا تزال، إلى اليوم، مفتوحة على احتمالات متعددة.

 

 

 

.

.

.

 

 

 

 

 

‫شاهد أيضًا‬

وفاة أمير الغناء العربي هاني شاكر

تُوفي الفنان المصري هاني شاكر عن عمرٍ ناهز الـ 73عاما، متأثّرا بأزمة صحيّة طالته في الأساب…