ونحن على أبواب الامتحانات: التعامل مع الضغط النفسي من ممهّدات النجاح
كنا تناولنا في مقالنا السابق المتعلق بالاستعداد للامتحانات، كيفية تصرف المترشحين مع أهم صعوبة قد تعترضهم وهي تنظيم المراجعة وآلياتها. ونتناول اليوم، الاشكال الثاني الذي يتعرض له المترشحون في فترة المراجعة وأيام الامتحان، وهو الضغط النفسي.
لذلك سنشرح للمترشحين آليات الاستعداد النفسي للامتحان، وكيفية التعامل مع الضغط النفسي الذي يرافق فترة الامتحانات عادة، حتى لا يفسد عليهم تلك الفترة المهمة في مسارهم الدراسي.
الضغط النفسي
عادة ما يصاحب الامتحانات توتر عصبي ينتاب المترشحين نسميه علميا بالضغط النفسي. ويعرف عموما على أنه «مجموعة ردود الأفعال النفسية، والوجدانية، والفيزيولوجية، التي تحدث بسبب شعور التلميذ بأن المتطلبات الدراسية تتجاوز قدرات التأقلم معها لديه (Richard Lazarus و Susan Folkman ). والضغط النفسي إحساس طبيعي وأحيانا ضروري فترة الامتحان، وهو ظرفي ومحدود التأثير عند التلميذ العادي، لأنه قادر على التأقلم بسهولة مع الحدث القادم ألا وهو الامتحان، لكنه يصبح مشكلة عند تلاميذ آخرين، عندما يدركون أن رهانات النجاح أكبر من قدرتهم على التحكم فيها، أو أنه يصعب عليهم التأقلم مع الحدث لصعوبته بالنسبة إليهم، فيجنحون إلى الاستسلام مما يسبب لديهم العجز على أداء المهمة والتعامل الجيد مع الحدث. لذلك يحمّل علم النفس التربوي الضغط النفسي، جزءا هاما من المسؤولية بخصوص فقدان المترشحين توازنهم، وخوفهم المبالغ فيه من الفشل عند اجتياز الامتحانات.
وينشأ الضغط النفسي لدى المترشح عندما يطرح على نفسه السؤال المنبّه التالي: هل أنا قادر على إنجاز المهمة؟ وتظهر ردة فعله تجاه المنبّه من خلال بعض المظاهر الشائعة، خاصة عندما يدرك أن متطلبات الامتحان تفوق قدراته، وتهدد نجاحه، ومستقبله الدراسي. ومن بين تلك المظاهر القلق، واضطراب الأداء، وتدني المردودية، وصعوبة التركيز، والاحساس بالخطر الوشيك، والخوف من الإخفاق والفشل.
أما القلق، فهو اضطراب ناتج عن تخوف المترشح، وانشغاله المتواصل بالحدث القادم وهو الامتحان. وأما الاحساس بالخطر الوشيك، فينتج عن الاحساس بكثافة المواد واستحالة السيطرة عليها، مقابل ضيق وقت المراجعة. وينتج الضغط النفسي عندما يحاول المترشح التكيف مع هذه الوضعية الضاغطة. وأما الخوف من الإخفاق والفشل، فيكون نتيجة شعور المترشح بصعوبة تحقيق طموحاته الشخصية، وطموحات العائلة.
ولكل مظهر من مظاهر الضغط النفسي علاجه، فالذي يشعر بالعجز لأنه كسول، يكمن علاج مشكلته في تشجيعه على العمل، ومخاطبة ذهنه لإقناعه بذلك. أما متدني الأداء بسبب ضعف الاشتغال الذهني لديه، فعلاجه تدارك الضعف الذي يشكو منه بحصص دعم، وتدريبه على تنظيم المراجعة وتوظيف مكتسباته العلمية. أما عندما يكون التلميذ مستهترا ولا يولي الدراسة أهمية، فذلك يعود إلى ضعف الدافعية لديه للتعلم، وعلاجه تقوية الدافعية للدراسة باستعمال آليات تربوية معروفة لدى المختصين، إضافة إلى استعمال مبدإ المكافأة كلما أحرز تقدما في المسار المعتمد.
الاستعداد النفسي
ومن أهم الأسلحة التي يجب أن يدخل بها أي مترشح لأي امتحان وهو واع بأهميتها، هو سلاح الاستعداد النفسي. ويقوم على إحدى المسلَمات الأساسية، وهي أن الامتحان ما هو إلا مرحلة عادية من مراحل المسار الدراسي للمتعلّم ومن عملية التعليم والتعلّم. وأن الامتحان وظيفته تقييم مكتسبات المتعلم خلال الفترة السابقة للامتحان قصد معرفة مدى نجاح العملية التعليمية التعلّمية في إكسابه الكفايات والمهارات المقررة له وفق مستواه التعليمي والبرنامج الدراسي المتوافق معها. وذلك يساعد المنظومة على تقييم أدائها، واتخاذ القرار الصحيح والعادل بشأن نجاح المترشح للامتحان من عدمه، اعتمادا على ما تملّكه من مكتسبات أثناء الدراسة. إن اجتياز المترشح الامتحان بمثل هذه القناعة، يزيح عنه الضغط النفسي والتوتر العصبي الذي عادة ما يصاحب الامتحانات. وعلى هذا الأساس يصبح الامتحان حدثا عاديا في المسار الدراسي للمتعلمين. يجتازه المترشح بالضرورة في نهاية كل مرحلة دراسية، من أجل الانتقال إلى مستوى دراسي أعلى، أو مرحلة دراسية جديدة.
وحتى يكون الاستعداد النفسي للامتحان جيدا، ويكون المترشح قادرا على التعامل بنجاح مع فترة الامتحانات، والتأقلم معها بالأسلوب المطلوب، من الضروري أن يتميز المترشح بعديد الصفات، مثل معرفة الذات، والثقة بالنفس، والدافعية للتعلم، والصبر، والقدرة على تحمل الصعوبات، والتحكم في النفس، والقدرة على التأقلم مع المتغيرات والضغوط الخارجية، والنضج في التعامل معها، واعتماد المرونة لتجاوز الصعوبات، والإيمان الثابت بالقدرة على النجاح وباقتناع تام مهما كان الامتحان والسياق الذي يحدث فيه، والتفكير الإيجابي، والقدرة على التخلي عن الأفكار السلبية أو تحويلها إلى حافز وقوة دافعة. ويربط بين تلك الصفات جميعها رابط خفي هو رابط التوازن، فينتظر من المترشح أن يعتمد على الاعتدال في إدارتها دون إفراط ولا تفريط، وبتحكم في انفعالاته. مما يعزز من فاعليته في التعامل مع الامتحان، ويحسن أداءه، وبالتالي نتائجه. ولا ننسى دور الولي في المساهمة في الاستعداد النفسي لابنه أو لابنته قبل اجتياز الامتحان بمرافقته(ها) بالتشجيع والتوجيه والنصيحة دون إصدار أحكام مهما كان نوعها، وبمراعاة قدراته(ها) وطموحاته(ها) الذاتية، مع الحرص على ترشيد طموحات العائلة، حتى يكون المترشح مطمئنا لا تكبله ضغوطات العائلة عندما يجتاز الامتحان. لكن الاستعداد النفسي للامتحان، وإن كان ضروريا، وعاملا حاسما في نجاح المترشح، إلا أنه من الضروري أن يكون مصحوبا بمجهود ذاتي فعلي يبذله المترشح، بتنظيم المراجعة، والتصرف في الوقت، وتوظف جيد لخبراته السابقة في المدرسة وفي الحياة وفق وصفة خاصة به تكون حافزا له للنجاح.
(*) باحث وخبير في الشأن التربوي
الاستعداد الجيد للإمتحانات تنظيم المراجعة من ممهّدات النجاح
تستعد العائلات التونسية، وعدد هام من أبنائها وبناتها، لامتحانات آخر السنة الدراسية الحالية…




