النادي الإفريقي يتوج ببطولته الرابعة عشرة في موسم استثنائي
سيبقى تاريخ 10 ماي 2026 عالقا في ذاكرة النادي الإفريقي بكل مكوناته إثر إحراز لقب بطولة الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم الذي غاب عن خزائن النادي 11 عاما مما يترجم حجم التضحيات ومنسوب الصبر الذي لازم عائلة فريق باب الجديد قبل بلوغ لحظة التتويج.
واكتسى هذا اللقب الرابع عشر نكهة مميزة بعدما تحقق في دربي العاصمة أمام الغريم التقليدي الترجي الرياضي في أمسية تاريخية جسدت تفوق “الأحمر والأبيض” وكانت اكتمالا لجملة من الارقام القياسية التي صنعت استحقاق النادي وجعلت منه الأفضل دون منازع في موسم استثنائي بكل المقاييس.
ولما كان أي مشروع نجاح يستند أساسا إلى وضوح الرؤية وحسن التدبير، فقد حرصت الهيئة المديرة فور انتخابها في شهر جوان من العام الماضي بقيادة محسن الطرابلسي على تسيير شؤون الجمعية وإدارة المرحلة التي كانت تنطوي على العديد من التحديات خصوصا على مستوى التوازنات المالية بكثير من الرصانة والعقلانية بما يضمن ترسيخ مقومات الاستقرار الإداري والمالي ويعزز في الآن ذاته حظوظ الفريق في الوصول إلى أهدافه الرياضية والمنافسة على الألقاب.
ورغم المسؤولية الجسيمة التي رافقت بداية هذه العهدة التسييرية وما صاحبها من ضغوطات كبيرة فرضتها رغبة الأنصار في رؤية نسر البطولة يحط مجددا في حديقة الرياضة “أ”، فإن ما يحسب للهيئة المديرة هو نجاحها في إرساء مناخ قائم على الثقة ووحدة الصف لتكون أولى قراراتها الحاسمة مراجعة الاختيار الفني للهيئة السابقة بإلغاء التعاقد مع المدرب محمد الساحلي وتعويضه على الدكة الفنية بالمخضرم فوزي البنزرتي أكثر المدربين التونسيين تتويجا بالبطولة (11 لقبا).
وكان تعيين فوزي البنزرتي (76 عاما) أولى شذرات النجاح بالنسبة للنادي الإفريقي بما يراكمه هذا المدرب من رصيد ثري من الخبرات والتجارب الممتدة على مدى عقود سواء في تونس أو خارجها فضلا عن النجاحات اللافتة التي بصم عليها في مختلف محطاته مع الأندية التونسية والعربية.
وقد رسخ البنزرتي من خلال جينات النجاح وثقافة التتويجات التي يمتلكها عقلية انتصارية وروحا مفعمة بالتحدي لدى لاعبي النادي الإفريقي وهو ما تجلى بوضوح في المباراة المصيرية أمام الترجي الرياضي لحساب الجولة قبل الأخيرة عندما قدم الفريق أداء عاليا وتحلى بذهنية قوية مكنته من تحقيق الفوز وحسم سباق اللقب قبل جولة واحدة من نهاية السباق.
وبالعودة إلى مسيرة النادي الإفريقي على امتداد الموسم، يتضح دون أدنى شك أنه كان أكثر الفرق انتظاما على مستوى المردود والنتائج بفضل الفكر التكتيكي الذي عمل الجهاز الفني على تركيزه انطلاقا من بناء منظومة دفاعية صلبة شكلت صمام أمان للفريق في مختلف المباريات.
فقد مثل التماسك الدفاعي أحد أهم عناصر نجاح الأفارقة من خلال المحافظة تقريبا على نفس التركيبة في الخط الخلفي ما مكنها مع مرور الجولات من اكتساب مزيد من التناغم والانسجام ليتشكل رباعي صلب يصعب اختراقه متألف من أسامة السهيلي وغيث الزعلوني وحمزة بن عبدة والليبي علي يوسف قبل أن يأخذ مكانه الجزائري توفيق الشريفي بعد انتقاله إلى نادي نانت الفرنسي خلال الميركاتو الشتوي دون التقليل من الدور المهم الذي لعبه كذلك ياسين بوعبيد كلما تمت الاستعانة بخدماته.
وبما أن طريق معانقة الألقاب يستوجب أيضا حامي عرين من طينة الكبار بإمكانه صنع الفارق في الأوقات الحاسمة، فقد وجد النادي الإفريقي ضالته المنشودة في مهيب الشامخ القادم من نجم المتلوي الذي قدم في موسمه الأول مستويات لافتة بعد أن حافظ على نظافة شباكه في 17مباراة بفضل تدخلاته الحاسمة التي أنقذت الفريق من عدة وضعيات صعبة ليؤكد بذلك علو كعبه ويثبت مكانته كأحد أبرز حراس المرمى في تونس خلال الفترة الأخيرة.
وكان من الطبيعي أمام صلابة هذه المنظومة الدفاعية أن تكون الحصيلة إيجابية، إذ لم تستقبل شباك النادي الإفريقي سوى 10 أهداف طيلة الموسم متصدرا أقوى خطوط دفاع البطولة في تأكيد على أن حجر الأساس لكل طموح نحو التتويج يرتكز على بناء حصن خلفي منيع.
بالتوازي مع ذلك، عمل المدرب فوزي البنزرتي على إدارة تركيبة خط وسط الميدان بمرونة تكتيكية عبر إدخال بعض التحويرات كلما اقتضت متطلبات المباراة وطبيعة المنافس مع الحفاظ على الثوابت الأساسية التي ارتكزت بالأساس على اللاعب معتز الزمزمي باعتباره الأكثر حضورا كأساسي في تلك المنطقة إلى جانب الغامبي سايدو خان والليبي أسامة الشريمي. وشكل هذا الثلاثي محور الارتكاز وأسهم بشكل بارز في المسيرة الوردية للفريق بتحقيق 19 انتصارا والحفاظ على سجله منذ الجولة السابعة خاليا من الخسارة في 23 مباراة متتالية لتؤكد هذه الأرقام حجم الاستحقاق وجدارة التتويج.
وحتى تكتمل الصورة لفريق كان عازما على ارتداء ثوب البطل، نجحت إدارة النادي الإفريقي في إبرام الصفقة الأهم خلال الميركاتو الصيفي الفارط باستقدام القناص فراس شواط الذي تمكن من إعادة اكتشاف نفسه ونجح في إحياء مسيرته بعد مرحلة تألقه مع النجم الساحلي ليشكل إضافة هجومية نوعية عززت فاعلية الخط الأمامي ورفعت معدل نجاعته أمام المرمى.
ووجد شواط في فريقه الجديد كل ممهدات التألق تحت قيادة مدرب محنك يدرك جيدا كيفية تطوير أداء اللاعبين وهو ما انعكس بوضوح على مردوده الأمر الذي مكنه للعام الثاني على التوالي من تصدر ترتيب لائحة هدافي البطولة برصيد 14 هدفا من أصل 43 هدفا سجلها النادي الإفريقي هذا الموسم.
كما حظي هداف البطولة بدعم مهم من المنتدب في فترة الانتقالات الشتوية أيمن الحرزي الذي قدم منذ حلوله من الاتحاد المنستيري الإضافة المنتظرة على مستوى التنشيط الهجومي إلى جانب اجتهادات بلال آيت مالك وحمزة الخضراوي ومحمد الصادق محمود وفيليب كينزومبي ومساهماتهم القيمة في خلق الحلول وكسر حالة الجمود في عديد المباريات.
ولا تكتمل سلسلة نجاح النادي الإفريقي في التتويج ببطولة الموسم الحالي إلا بالتأكيد على الدور المحوري لجماهيره التي شكلت سندا حقيقيا للفريق من خلال حضورها المكثف في مختلف اللقاءات مهما كان اسم المنافس وما قدمته من دعم وتحفيز متواصل على امتداد الموسم.
كما ساهمت هذه الجماهير بشكل بارز في توفير موارد مالية هامة سواء عبر مواكبة المقابلات أو من خلال الانخراط في المبادرات التي أطلقتها الهيئة المديرة بهدف ترسيخ الاستدامة المالية الكافية استجابة لحاجيات النادي في المرحلة الحالية وضمانا لمستقبل أكثر إشراقا وتوهجا.
وسيعود النادي الافريقي من بوابة هذا التتويج إلى اجواء المنافسات القارية من خلال المشاركة في النسخة القادمة لمسابقة رابطة ابطال افريقيا التي غاب عنها منذ موسم 2018-2019 يحدوه أمل نحت مسيرة متميزة على درب استعادة مكانته ضمن كبار القارة.
وات
الدورة الأولى لتظاهرة “بالمسرح… أكون”
تحت اشراف وزارة الشؤون الثقافية ينظم مسرح أوبرا تونس – قطب المسرح والفنون الركحية ان…












