أحيت بلادنا أمس الجمعة 29 ماي 2026 اليوم الدولي لحفظة السلام الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 24 فيفري 2003، ولم يكن اختيار هذا التاريخ اعتباطيا بل إنه يصادف ذكرى تأسيس أول بعثة لحفظ السلام في تاريخ المنظمة الدولية وتحديدا في العام 1948 وكانت وجهتها فلسطين المحتلة.

وعلى امتداد سبعة عقود ونيف وضع حفظة السلام بصماتهم في العديد من بقاع العالم وأحدثوا تغييرا ملموسا في المجتمعات المحلية التي عملوا فيها،  من ليبيريا وناميبيا إلى كمبوديا وسيراليون وتيمور – ليشتي، وكان وجودهم منقذا للأنفس، ومخلّصا للبشر، ومحدثا للتغيير في بعض أشد السياقات السياسية والأمنية تقلبا، حيث قادوا البلدان من النزاع إلى السلام المستدام والنسبي أحيانا في الكثير من الحالات.

ولم يكن الأمر هيّنا، فقد قدم حفظة السلام التضحيات الجسام وسقط منهم الكثيرون، ومن بينهم عدد لا يستهان به من التونسيين، وتشير تقديرات أممية الى أن 25 تونسيا من حفظة السلام فقدوا حياتهم تحت راية الأمم المتحدة.

وتقدّر الأمم المتحدة المساهمة التونسية في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وتنوّه بها، وتكشف أن بلادنا هي المساهم الثامن عشر في العالم  – من بين 193 دولة – حيث يشارك ما يقارب 700 «حافظ سلام» كما تسميهم المنظمة الدولية من بينهم 50 امرأة في أربع بعثات أممية في الوقت الحاضر.

وكما هو معلوم، تعود أول مشاركة لتونس في عمليات حفظ السلام بالكونغو سنة 1960، ويواصل حفظة السلام التونسيون أداء مهامهم اليوم بكل التزام في أبيي، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب السودان.

إن دعم تونس لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة خيار مبدئي واستراتيجي منذ الاستقلال عام 1956، وينبع ذلك من الحرص على مساعدة الأشقاء والأصدقاء في تكريس حقهم في تقرير المصير وبناء دولهم الوطنية والالتزام بمواصلة الانخراط الفاعل في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز السلم والأمن والاستقرار في العالم.

بعبارة أخرى، هو استثمار في السلام وفي الأمن العالمي والتنمية والاستقرار الإنساني، وليس مجرد إنفاق عسكري، والمعادلة هنا بسيطة، كلما زادت قدرة المجتمع الدولي على حفظ السلام قلّت احتمالات اندلاع الحروب وانفجار الكوارث الإنسانية..!

إن الاستثمار في قوات حفظ السلام من شأنه أن يمنع اندلاع النزاعات وتوسعها ويوفر حماية للمدنيين ولحقوق الإنسان بشكل عام  إلى جانب دعم الاستقرار السياسي وتقليل الخسائر الاقتصادية وتعزيز التعاون الدولي ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وغيرها..

ولأن رسالتها ليست هيّنة وكلفتها باهظة لا تستثني حياة حفظة السلام أنفسهم فإن المجموعة البشرية مطالبة بالاستثمار بقوة في قوات حفظ السلام لتسليحها بالموارد البشرية والمادية والعسكرية لمجابهة التحديات العديدة وأبرزها نقص التمويل والتجهيزات وصعوبة التدخل في النزاعات المعقدة وتعرّض بعض القوات لهجمات مباشرة الى جانب الحاجة إلى تدريب متطور واحترام أكبر لحقوق الإنسان.

ويبقى الإستثمار في السلام مبتورا اذا لم تتكامل المقاربة اللوجستية ، المادية والبشرية، مع إرادة سياسية حقيقية منتصرة للسلام وهو ما عبر عنه بوضوح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حيث يقول «في زمنٍ مطبوعٍ بتصاعُد حدَّة التوترات، يُعد حِفظُ السلام وسيلةً مجرَّبة وفعالة من حيث التكلفة لاستعادة الاستقرار والأمل. لكن حفظ السلام يحتاج إلى إسنادٍ سياسي لا يَكلّ – وإلى دعم مالي موثوق».

‫شاهد أيضًا‬

‎من أجل إعادة كتابة تاريخ القارة السّمراء ‎الحلول الإفريقية للتحدّيات الإفريقية

‎«القارة لا تزال تواجه مظالم تاريخية في ما يتعلق بالتمثيل، والتمويل، والتعرض للمخاطر المنا…