العرض الموسيقي ” شيراز” لظافر يوسف في مهرجان الحمامات الدولي: الـمـوسـيـقـى تـحـلـيـق مــا بـيــن الــسمـــــاء والأرض
الصحافة اليوم : كمال الهلالي
بعد غياب عشر سنوات عاد ظافر يوسف إلى ركح مهرجان الحمامات الدولي، في ثاني سهراته محملا بتجارب وخبرات أكثر ضمن نفس المشروع الموسيقي الخاص الذّي جعل منه علامة مخصوصة لا شرقية ولا غربية.
أمام شبابيك مغلقة كان الجمهور الذي حضر في ليلة الأحد 12 جويلية 2026 على موعد مع موسيقى مختلفة، في عرض مختلف حمل عنوان ” شيراز”. هو عرض ولد من رحم تجربة مؤلمة وضعت ظافر أمام احتمال فقدان شخص عزيز بسبب المرض. احتمال الفقدان فتح على آفاق أخرى، فاسم شيراز قد يكون اسما لحبيبة أو اسما لمدينة لها محمول شعري روحاني يتجاوز الجغرافيا إلى الروح.
في جغرافيا الروح يحلّق ظافر يوسف بحثا عن أصوات لا يعرف إلا هو أين تقع وكيف يجلبها بنبرات صوته محتفظا بغرائبيتها وببراءتها وفطرتها الأولى وبلغزها. يُعرف عن ظافر يوسف صيحاته، آهاته، موالاته المخصوصة، نداءاته؛ كأنّه يُلقي بنفسه ويُلقي بنا معه في أرضٍ بكْرٍ، أرض أولى لا نعرف ماهي ولكنّنا نحسّها لأنّها تخاطب وشائج أضعناها أوهي مخبوءة عنّا، تجمعنا بالكون وبروح أكبر منّا جميعا.
كأنّ موسيقى ظافر يوسف صلاة، أغنية دروايش لا مرئيين. وللوصول إلى هذا التركيب النابض الحيّ المُشفّر، يعوّل ظافر يوسف على قوّة صوته وعلى طبقاته العالة. بالنسبة إليه الصوت لا يعدو أن يكون إلا آلة موسيقية يعزف عليها، لذلك يختار في العادة بيتا أو بيتين لصوفيين كبار كالحلاج أو ابن الفارض، يستجلي ما يستبطن فيهما من طبقات المعنى ويلوّنها بطبقات صوته. يُوسع من مساحة القليل ويجعله أكثر. الاستثناء ربّما حصل في سهرة الحمامات حين غنّى أبيات أطول للشاعر الفلسطيني محمود درويش: ” يا دامي العينين والكفيين، إنّ الليل زائلْ، لا غرفة التوقيف باقيةٌ، ولا زرد السلاسلْ، نيرون مات ولم تمت روما، بعينيها تقاتلْ، وحبوب سنبلة تموت، ستملأ الوادي سنابلْ”.
هذه الإفاضة ربّما فرضها الحدث الفلسطيني والحاجة إلى مساحة أكبر للفلسطيني المحاصر في رقعة ضيّقة من أرضه التاريخية اسمها غزّة.
في عرض الحمامات قدّم ظافر يوسف مقاطع جديدة من أحدث ألبوماته ” شيراز” ومن ألبومات أخرى، بنفس الروح. بدا بلباسه الأسود الفضفاض وتحرّكه على الركح وحركاته كأنّه يبني حوارية مع نفسه ومع الأوج الفسيح ومع الموسيقيين الذين صاحبوه. العود يحاور البيانو و الكونتر باص بحثا عن ايقاع خفيّ هو بدوره جزء من ايقاع أكبر لا يلبث على حال، دائم التدفق والسيلان. كل لحظة هو في شأن. ما قد يبدو ارتجالا في موسيقاه هو ارتجال محسوب ضمن مقام وضمن حالة شعورية تفتح على حالات أو مقامات أعلى.
يُترجم ظافر يوسف ما يعتقده من أنّ الموسيقى هي تحليق ما بين السماء والأرض إلى أصوات وألحان وتموّجات، كأنّه يركّب للروح أجنحة تطير بها وتخلّصها من ” الطين اللازب”، شرطها الانساني، ثم تعود بها إلى نفس الأرض، إلى نفس الطين، لتجعلها أكثر خفّة وأكثر اتساعا ولطفا، فوحدها مثل هذه الموسيقى تجعلنا نقترب من الجوهر الحيّ المتعدّد الأسماء: الروح، الله، لغز الكون..
وللوصول إلى هذا، على خطى الموسيقيين والصوفية الكبار، لا يحتاج ظافر يوسف إلاّ إلى صوته الجبّار وإلى عوده الذّي تحوّل إلى آلة تستوعب كلّ موسيقات العالم وتترجم أوتارها كلّ الجمل الموسيقية سواء كانت جملة موسيقية شرقية أو جملة من موسيقى الجاز أو الهنود، وإلى العودة إلى ينابيع أولى لا يعرفها ولا يدركها إلا هو.a
