كتاب جديد للناقد والباحث حاتم التليلي: ” كمون الخطاب النقدي” عن الهيئة العربية للمسرح :
مــن فــعـــل الإبـــــداع إلـــى فــعل الــتفــكير فــــيه
الصحافة اليوم: كمال الهلالي
صدر حديثا عن الهيئة العربيّة للمسرح كتاب جديد للباحث والناقد المسرحي حاتم التليلي بعنوان ” كمون الخطاب النقدي ( في تاريخ الكتابة المسرحيّة)”، وهو في الأصل رسالة دكتوراه تأطير الدكتورة أمّ الزين بن شيحة قدّمت و نوقشت بالمعهد العالي للفن المسرحي.
إحدى فرضيات الكتاب الكبرى هي أنّ الكتّاب المسرحيين أنفسهم قد مارسوا النقد، وقد اشتغل حاتم التليلي على مدوّنة أرسطفان و بيرندالو، للتدليل على ما يسميّه ” كمون الخطاب النقدي”. وليس هناك خير من الكاتب لتقديم كتابه، حتّى يتعرّف القارئ على الاتجاهات الجديدة للنقد المسرحي. يقول التليلي:
” لا يستقرّ هذا الكتاب في سؤال النّقد المسرحي من جهة مرويّات تاريخه الرّسمي مُمثّلا في ذلك الاعتقاد من سائد نشاطه كعمليّة خارجية يجري حدوثها في الكتب الأكاديمية والنقديّة والصحف والمجلّات، ولكنّه يستدرك للإعلان عن مأساته في عصورنا الحديثة، مُفصحا عن غروب هالته نتيجة تأثّره بمختلف التنويعات المريرة التي دشّنتها مقولة النهايات، تلك التي بسببها اليوم ترفع الحياة المسرحية شعارا هو “موت النّاقد”، مُحتفية بتأبينه على لسان المهتمّين بشأن رابع الفنون. ولكن هل فعلا “مات النقّاد” و”اندثر النقد المسرحي” باندثار الشروط الموضوعيّة والنظريات الفلسفيّة والمناهج النقدية الكلاسيكية التي قامت عليها السرديات الكبرى؟
سوف يتحوّل قلق السؤال الأخير إلى محرّك رئيس لهذا الكتاب، منه تكوّنت تلك الفرضيّة التي تنظر إلى النقد المسرحي بوصفه خطابا إبداعيّا اتخذ له أطرا جديدة لنشاطه، مُغيّرا من أشكال إقامته، كامنا في خطاب الإبداع، مُقيما في النصّ الإبداعي لا خارجه. إنّ أسباب تلك الأزمة التي أفصحت عن وضعه الارتيابي سوف تصبح شرطا من شروط إمكانه وحدوثه من جديد، فالكتابة التي لم يعد بإمكانها الإخبار عن العالم في صورته المتهالكة والكتابة التي لم يعد بإمكانها الاستقرار في ذاكرة الميتافيزيقا حيث “مات الإله” و”اندثر الإنسان” و”أُزِيحَ المؤلّف” بوصفه مرجعا للإفصاح عن معنى القول فيها، هي كتابة تخبر عن نفسها الآن وترتحل من فعل الإبداع إلى فعل التفكير فيه، وهي كتابة توصي بقراءتها نقدا لا إبداعا فحسب، وهي كتابة مزدوجة إذا تأمّلت مراياها فقد اخترعت خطابها النقدي من داخلها، وهي كتابة إذا ما أفصحت عن نقدها الداخلي فقد أشارت، في الآن نفسه، إلى جدل خارجيّ مع غيرها من الكتابات أخرى. هذا ما ستفصح عنه قراءة البعض من النصوص المسرحية لـ”أريستوفان” و”لويجي بيرندلو”، مشيرة، في الآن نفسه من نشاط متعالياتها النصيّة، إلى تشكيكها في براديغم التبعيّة الذي تأسّست عليه العلاقة بين الناقد والمبدع بعد أن ساد الاعتقاد في نشاط النقد كعمليّة لاحقة للمنجز الإبداعي.
نعم، إنّ هذا الكتاب ينطلق من فرضية تقول بأنّ مستقبل النقد المسرحي هو ماضيه. ولسنا – إذ نطرح هذا الاستشكال-، بصدد الحنين إلى ما مضى ولم “يتأرخن” بعدُ بالصورة التي يستحقها. بل نشير، على العكس من ذلك، إلى إمكانية خلخلة “براديغم التبعية” الذي تأسّست عليه العلاقة بين النقّاد والمبدعين، وتصحيح تاريخ النقد المسرحي أو مراجعته، وتقويض مقولة “نهاية السرديات الكبرى” بعد أن أصبح النقد إحدى تنويعاتها المريرة.
ولكي لا نبتئس، لا بدّ من التذكير بأنّ كلمة ناقد ليست سوى اختراع حديث العهد في تاريخ التفكّر المسرحي. قبلها كان رجل الدين يوجّه رابع الفنون ويزجّ به في خندق الواجب الأخلاقي والديني، وقبل ذلك كان الفيلسوف يرعى التراجيديا ضمن الجدل العمومي لمدينة الإغريق، وقبل الجميع كان الجمهور الأثيني هو “الخصم والحَكَم” في سياق المسابقات المسرحية. أمّا اليوم، فقد صار من الممكن – بل من المشروع-، تهجير كلمة “الناقد” إلى متاحف التاريخ.
لم يكن النقد في نشأته الأولى ممارسة خارجية لاحقة للفعل الإبداعي كما هو الشأن اليوم، بل كان كامنًا في نسيج الكتابة المسرحية ذاتها، أشبه بـ”كمون النار في حجر الصوّان”، متجسّدا في بنيتها الساخرة والتقويضية والاحتفالية. ويتبدّى ذلك بوضوح في أعمال عديدة، حيث يمارس النص وعيه النقدي من داخله، دون وساطة ناقد خارجي. غير أنّ هذا الوضع سيتعرّض لانعطاف حاسم مع الفلاسفة الأخلاقيين في القرن الرابع قبل الميلاد، حين جرى فصل النقد عن الكتابة الإبداعية وإعادة توطينه في خطاب تعليمي ومعياري مستقل مع أفلاطون وقناعه السقراطي، ثم تقنينه ضمن منظومة مفاهيمية مع أرسطو. ومنذ تلك اللحظة، ترسّخت صورة النقد بوصفه ممارسة خارجية تمارس سلطة الوصف والتقويم والتأويل.”
وقد تعزّز هذا الفصل عبر تاريخ طويل من التنظيرات النقدية التي كرّست استقلال النقد عن الإبداع وعمّقت الهوّة بين المنجز الإبداعي والمنجز النقدي. إلّا أنّ تحوّلات الكتابة المسرحية الحديثة والمعاصرة ستقود إلى نفيٍ جدليّ لهذا الفصل، حيث لم يعد النقد خطابًا مرافقًا أو لاحقًا، بل عاد ليتموضع من جديد داخل الكتابة الإبداعية نفسها، مقوّضًا تاريخه الرسمي، ومتحوّلًا إلى وعي كتابي ممسرح يُفكّك شروطه الجمالية والدلالية من الداخل.
وعليه، سوف يصبح من الضروري التمييز بين النقد والنقّاد تمييزًا صارمًا. فما يجري اليوم لا يمكن اعتباره تأبينًا للممارسة النقدية أو إعلانًا جنائزيًا عن “نهاية النقد”، بل هو، في جوهره، إزاحة للنقّاد وتفكيك مواقعهم كما تشكّلت تاريخيًا. أمّا الإشكال الذي يتوجّب طرحه بقوّة فلا ينشغل بتطوير أدوات النقد أو تحديث مناهجه، بقدر ما يتعلّق بسؤال أعمق وأكثر جذرية: من أين يُنتَج النقد المسرحي؟ وهل هو بالضرورة ممارسة خارجية لاحقة للفعل الإبداعي، أم أنّه كان ذ ولا يزال ممكنًا أن يكون ذ كامنًا في الكتابة الإبداعية نفسها، بوصفه نشاطا دراماتورجيّا؟
بهذا المعنى وحده ودون غيره، سوف يمكن قراءة تاريخ النقد المسرحي بوصفه انتقالًا من الضدّ إلى الضدّ النوعي، إذ لا يستعيد ماضيه فحسب، بل ينجز مستقبله بوصفه بديلا متعاليا عن هذا الماضي نفسه.
يحمل المعرض عنوان Regards au quotidien ممّا يمكبفضاء “عين” معرض للفنان التشكيلي مختار هنان: حياةٌ ونبضٌ وامتلاءٌ وفاكهة ٌوضوءٌ وسلامٌ ولطفٌ وسحرٌ
الصحافة اليوم: كمال الهلالي في معرضه الجديد (من6 إلى 20 جوان 2026) بفضاء «عين» لصاحبه الفن…
