امن أزمة الإنتاج إلى أزمة التسويق هل أصبحت وفرة الأفلام التونسية أكبر من قدرة السوق على استيعابها؟
لصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
قبل سنوات قليلة فقط، كان النقاش في تونس، كما في عدد من البلدان العربية، يدور حول ضعف الإنتاج السينمائي وندرة الأفلام الروائية الطويلة. وكانت كل سنة تمرّ دون أن يتجاوز عدد الأفلام المنجزة أصابع اليد الواحدة، في ظل محدودية التمويل وارتفاع كلفة التصوير وضعف البنية التحتية. أما اليوم، فقد انقلب المشهد رأسا على عقب. فالسينما التونسية تستعد لاستقبال موسم استثنائي يضم أكثر من عشرين فيلما جديدا، فيما تعرف بلدان عربية أخرى، مثل المغرب ومصر والسعودية والأردن، ديناميكية إنتاجية متسارعة. غير أن هذا النجاح كشف عن معضلة جديدة وهي أنّ الأفلام أصبحت أكثر من قدرة السوق على استيعابها
نجاح… يتحول إلى مشكلة
المفارقة أن الأزمة الحالية ليست أزمة إبداع أو إنتاج، بل أزمة توزيع وعرض. فقد ساهمت الثورة الرقمية في تخفيض تكاليف الإنتاج، وأتاحت الكاميرات الرقمية وبرامج المونتاج الحديثة وتقنيات المؤثرات البصرية إنجاز أفلام بكلفة كانت تبدو قبل سنوات مستحيلة. كما أسهمت الصناديق العمومية والشراكات الدولية في تشجيع المنتجين الشباب على خوض التجربة.
لكن في المقابل، لم تتطور منظومة التوزيع بالسرعة نفسها. فما تزال قاعات السينما في تونس محدودة العدد، وتتركز أساسا في المدن الكبرى، بينما تفتقد ولايات عديدة لأي قاعة عرض. والنتيجة أن عشرات الأفلام تجد نفسها مضطرة للتنافس داخل نافذة زمنية قصيرة، فتقتسم الجمهور نفسه وتستهلك إمكاناتها التجارية قبل أن تجد فرصة للوصول إلى المشاهدين.
والمشهد ذاته بدأ يبرز في أكثر من بلد عربي، حيث لم تعد المشكلة في إنتاج الفيلم، بل في إيجاد شاشة تعرضه وسوق تضمن له الحد الأدنى من العائدات.
القاعة لم تعد تكفي وحدها
لقد بُنيت صناعة السينما لعقود طويلة على نموذج اقتصادي واضح: يبدأ الفيلم رحلته في قاعات السينما، ثم ينتقل إلى التلفزيون والمنصات الرقمية. غير أن هذا النموذج أصبح اليوم أقل قدرة على استيعاب الكم المتزايد من الإنتاج
فالقاعة السينمائية، مهما بلغ عددها، لا تستطيع منح كل فيلم مدة عرض كافية، خاصة عندما تتزامن العروض المحلية مع الأفلام الهوليوودية أو الإنتاجات التجارية الكبرى التي تستحوذ على معظم الشاشات. وهكذا تتحول المنافسة بين الأفلام الوطنية نفسها إلى عامل يحد من فرص نجاحها، رغم اختلاف موضوعاتها وقيمتها الفنية.
تنويع محامل العرض… ضرورة لا خيار
وإذا كانت السينما العربية قد نجحت في تجاوز أزمة الإنتاج، فإن التحدي المقبل يتمثل في إعادة ابتكار منظومة العرض والتوزيع.
فالمطلوب اليوم هو تنويع محامل العرض وعدم الاكتفاء بالقاعات التقليدية. ويمكن للمهرجانات الصيفية أن تتحول إلى فضاءات لعرض أحدث الإنتاجات الوطنية، كما يمكن للجامعات ودور الثقافة والمراكز الثقافية أن تستضيف دورات منتظمة للعروض السينمائية.
وفي الوقت نفسه، تبدو المنصات الرقمية العربية واحدة من أهم الحلول المستقبلية. فوجود منصات متخصصة في السينما العربية، تعتمد نظام الاشتراكات أو الدفع مقابل المشاهدة، من شأنه أن يفتح أسواقا جديدة أمام الأفلام، ويمنحها عمرا تجاريا أطول من أسابيع قليلة داخل القاعات
ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير شبكات التوزيع الإقليمية، حتى لا يبقى الفيلم التونسي رهين السوق المحلية، بل يجد طريقه إلى المغرب والجزائر والخليج وبقية الأسواق العربية، تماما كما تفعل الإنتاجات العالمية.
اقتصاد جديد للسينما العربية
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الموهبة لم تعد المشكلة، وأن التكنولوجيا كسرت كثيرا من الحواجز التي كانت تعيق الإنتاج. غير أن الصناعة السينمائية لا تكتمل بإنتاج الفيلم فقط، بل تبدأ فعليا عندما يصل إلى جمهوره ويحقق عائدات تسمح بإنتاج أفلام جديدة.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تفرض التفكير في اقتصاد جديد للسينما العربية، يقوم على توسيع أسواق التوزيع، وإطلاق منصات عرض متخصصة، واستثمار الإمكانات التي توفرها التقنيات الرقمية، حتى تتحول الوفرة الإنتاجية إلى قوة اقتصادية وثقافية، لا إلى عبء يفرض على الأفلام أن تتزاحم على عدد محدود من الشاشات.
فالرهان الحقيقي لم يعد إنتاج المزيد من الأفلام، بل إنتاج سوق عربية قادرة على احتضانها، وضمان أن تجد كل تجربة سينمائية طريقها إلى المشاهد، لا أن تبقى حبيسة مهرجان أو أسبوع عرض عابر.
مهرجان تستور… حين أنقذت المدينة مهرجانها من الإلغاء الـمـهـرجـانـات فـي تـونـس بـيـن أزمـة تـمـويـل و أزمــة بــرمـــجـــــة
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي لم يكن الإعلان عن إقامة الدورة الستين لمه…
