أنتوني هوبكنز… حين يكتب الثمانيني سيمفونية جديدة للحياة
في الوقت الذي يختار فيه كثيرون الانسحاب من المشهد العام مع التقدم في العمر، يواصل السير أنتوني هوبكنز إثبات أن الموهبة الحقيقية لا تتقاعد. فبعد أكثر من ستة عقود من التألق على خشبة المسرح وأمام كاميرات السينما، يعود صاحب الأداء الأسطوري في صمت الحملان والأب ليخطف الأنظار هذه المرة من بوابة الموسيقى، مؤكداً أن الإبداع لا تحده مهنة ولا يقيده العمر.
لم يكن الطريق الذي قاده إلى العالمية مفروشًا بالنجاح. فقد نشأ في مدينة بورت تالبوت الويلزية وهو يعاني صعوبات في التعلم، قبل أن يُشخَّص لاحقًا بعسر القراءة. شعر طويلًا بأنه مختلف عن أقرانه، لكنه وجد في الفن ملاذًا من الإحباط، سواء في الرسم أو الموسيقى أو التمثيل، وهي الفنون التي رافقته طوال حياته.
كان اللقاء بالممثل الويلزي الشهير ريتشارد بورتون محطة مفصلية في شبابه، إذ أيقظ فيه حلم التمثيل. وبعد سنوات من الدراسة والعمل، لفت موهبته السير لورنس أوليفييه، الذي ضمه إلى المسرح الوطني الملكي، لتبدأ رحلة صنعت واحدًا من أهم ممثلي جيله.
لكن النجاح المهني لم يمنعه من خوض معركة شخصية قاسية مع إدمان الكحول. وفي عام 1975 اتخذ القرار الذي يصفه دائمًا بأنه أنقذ حياته: الإقلاع النهائي عن الشرب. منذ ذلك الحين، أصبحت حياته أكثر استقرارًا، وازدادت قدرته على توظيف موهبته بانضباط نادر، وهو ما قاده إلى الفوز بجائزتي أوسكار، كان آخرهما عن فيلم الأب وهو في الثالثة والثمانين، ليصبح أكبر ممثل يفوز بجائزة أوسكار لأفضل ممثل في دور رئيسي.
غير أن هوبكنز لم يسمح للسينما بأن تكون الفصل الأخير في حكايته. فالموسيقى، التي رافقته منذ شبابه، بقيت شغفًا حاضرًا في حياته. وعلى مدى السنوات ألّف عددًا من المقطوعات الأوركسترالية التي عزفتها فرق موسيقية عالمية، قبل أن يواصل في السنوات الأخيرة تقديم أعمال جديدة تؤكد أن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن الابتكار مهما تقدم به العمر.
إن الإنجاز الموسيقي الجديد الذي يحققه هوبكنز اليوم لا يمثل مجرد نجاح إضافي في سجل حافل، بل رسالة أعمق مفادها أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، وإنما بقدرة الإنسان على أن يبدأ من جديد. فمن عانى صعوبات التعلم، وخاض معركة الإدمان، ووصل إلى قمة التمثيل العالمي، لا يزال يجد في الموسيقى أفقًا جديدًا للتعبير عن نفسه.
لعل أجمل ما يقدمه أنتوني هوبكنز اليوم ليس مقطوعة موسيقية جديدة فحسب، بل درسًا في أن الشغف، حين يكون صادقًا، لا يعرف سنًا للتقاعد، وأن الإبداع يستطيع دائمًا أن يعثر على لغة جديدة، حتى بعد أن يظن الجميع أن الحكاية قد اكتملت.

غسان مسعود في «قصتي» مع محمد قيس: حين يتحدث الكبار بلغة التجربة
هناك فنانون يتركون بصمتهم على الشاشة، وهناك قلة يتركون أثرًا في الوجدان. ومنذ اللحظة الأول…












