مهرجان تستور… حين أنقذت المدينة مهرجانها من الإلغاء الـمـهـرجـانـات فـي تـونـس بـيـن أزمـة تـمـويـل و أزمــة بــرمـــجـــــة
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
لم يكن الإعلان عن إقامة الدورة الستين لمهرجان تستور الدولي للمالوف والموسيقى العربية التقليدية خبرا عاديا، بقدر ما كان انتصارا صغيرا على شبح الإلغاء الذي خيّم على واحدة من أعرق التظاهرات الموسيقية في تونس. فقبل أسابيع قليلة، بدا وكأن مهرجانا يحمل ستة عقود من التاريخ سيطوي صفحته هذه السنة بسبب ضيق الإمكانيات المالية، قبل أن تتدخل المدينة نفسها لإنقاذ مهرجانها، في مشهد يعكس الأزمة العميقة التي باتت تعيشها المهرجانات الثقافية في تونس.
فالبيان الذي أصدرته الهيئة المنظمة لم يخف حجم الصعوبات، إذ أوضح أن الدورة الحالية جاءت استجابة لإلحاح أهالي تستور، وبدعم من الدكتورة أحلام العرفاوي وعدد من مكونات المجتمع المدني والمثقفين والفنانين، مع التعويل على الاستشهار والدعم المالي والمعنوي من أبناء المدينة والغيورين عليها، حفاظا على هذا الإرث الثقافي وعلى خصوصية مهرجان المالوف
المال قوام الأعمال
وتخفي هذه النهاية السعيدة نسبيا في الواقع أزمة هيكلية لم تعد تخص مهرجان تستور وحده، وإنما أصبحت السمة المشتركة لعشرات المهرجانات الوطنية والدولية. فمنحة وزارة الشؤون الثقافية لم تعد قادرة على مواكبة الارتفاع الجنوني في تكاليف الإنتاج الفني، بينما تضاعفت أجور الفنانين، وارتفعت أسعار النقل والإقامة والتجهيزات التقنية، فضلا عن التعقيدات المرتبطة بتحويل العملة الصعبة عند التعاقد مع الفنانين الأجانب، وهي إجراءات أصبحت تستغرق وقتا طويلا وتفرض التزامات مالية وإدارية إضافية على المنظمين.
كما أن الفنانين العرب والعالميين الذين يمثلون عنصر الجذب الأكبر للجمهور باتوا يفرضون أجورا مرتفعة، فضلا عن اشتراط تذاكر سفر من درجات عالية وإقامة فندقية وخدمات لوجستية مكلفة، وهو ما يجعل استضافتهم تتجاوز في كثير من الأحيان كامل ميزانية مهرجان متوسط الحجم. لذلك أصبح مديرو المهرجانات أمام معادلة مستحيلة: إما برمجة أسماء كبيرة تستنزف الميزانية، أو الاكتفاء ببرامج متواضعة قد لا تحقق الإقبال الجماهيري المطلوب.
الفنان محمد الجبالي في الموعد
ولعل برنامج الدورة الستين لمهرجان تستور يعكس بوضوح هذا الواقع الجديد. فقد اختارت الهيئة المنظمة العودة إلى هوية المهرجان الأصلية، أي الموسيقى التراثية والمالوف، مع حضور محدود لعدد من الأسماء التونسية المعروفة. وتنطلق الدورة يوم 25 جويلية مع الفنانة درة الحدادي، ثم تحيي فرقة أنفاس المالوف بقيادة بدر الدين جبيس سهرة السادس والعشرين، تليها فرقة شيوخ المالوف بتستور يوم 27 جويلية، قبل أن يلتقي الجمهور مع الفنان محمد الجبالي في الثامن والعشرين، ثم الفنانة عايدة النياطي يوم 29 جويلية، لتختتم التظاهرة يوم 30 جويلية بعرض “زيارة” الذي أصبح أحد أنجح المشاريع الموسيقية التونسية خلال السنوات الأخيرة.
ورغم غياب النجوم العرب الكبار الذين اعتاد الجمهور رؤيتهم في بعض الدورات السابقة، فإن البرمجة حافظت على روح المهرجان، وراهنت على الموسيقى التراثية وعلى الفنانين التونسيين القادرين على استقطاب جمهور وفيّ لهذا الموعد الثقافي.
غير أن ما حدث في تستور يطرح أسئلة تتجاوز حدود المدينة. فإذا كان مهرجان عريق بلغ عامه الستين كاد يلغى بسبب نقص التمويل، فما الذي ينتظر بقية المهرجانات الأقل تاريخا والأضعف موارد؟ وهل يعقل أن تستمر التظاهرات الثقافية معتمدة أساسا على اجتهادات الجمعيات والمتطوعين ودعم أبناء الجهة؟
لقد أصبح من الضروري مراجعة سياسة تمويل المهرجانات في تونس، ليس فقط بالترفيع في المنح العمومية، وإنما أيضا بفتح المجال أمام شراكات أوسع مع القطاع الخاص، وتبسيط إجراءات استقدام الفنانين الأجانب، وإيجاد صيغ جديدة للرعاية الثقافية تضمن استدامة هذه التظاهرات.
لقد أنقذت تستور مهرجانها هذه السنة بفضل تضامن أهلها ومحبيها، لكن لا يمكن أن تتحول المعجزات إلى سياسة ثقافية. فالمهرجانات ليست مجرد حفلات صيفية، بل هي استثمار في صورة البلاد وفي ذاكرتها الفنية، وحين يصبح بقاؤها رهين حملات الإنقاذ الموسمية، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود مهرجان واحد لتصبح أزمة ثقافية وطنية تستوجب حلولا عاجلة.
امن أزمة الإنتاج إلى أزمة التسويق هل أصبحت وفرة الأفلام التونسية أكبر من قدرة السوق على استيعابها؟
لصحافة اليوم: كمال الشيحاوي قبل سنوات قليلة فقط، كان النقاش في تونس، …
