إذا كان بدء الحرب يسيرا فقد أثبت التاريخ أن إيقافها أصعب مما يتصوره المرء، كما أن الحديث عن منتصر ومهزوم في الحرب مسألة نسبية طالما أن سقوط أرواح بشرية في صفوف الطرفين لا يقدّر بثمن بالإضافة إلى الخسائر المادية بطبيعة الحال.
ويشهد التاريخ أيضا، أن سوء التقدير والعربدة والسلوك النازي الإجرامي رافق إعلان أغلب الحروب في العالم فتحوّلت هذه الحروب للأسف إلى حالات استنزاف لم تنهك الطرفين المتحاربين فقط ولكن أنهكت الإنسانية وأضرّت بها وضربت في العمق إنجازاتها المادية وخصوصا القيمية والأخلاقية.
نقول هذا الكلام ونحن نستحضر كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس وتهديده بتوسيع الهجمات على البنية التحتية المدنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث قال إن الولايات المتحدة ستضرب إيران «بقوة شديدة» خلال الليالي المقبلة وأنه سيتم استهداف محطات توليد الكهرباء والجسور إذا لم تعد طهران إلى طاولة المفاوضات.
وكما هو معلوم، فإن الإدارة الأمريكية مدعومة بالكيان الصهيوني أقدمت منذ فترة على مهاجمة إيران تحت يافطة تغيير النظام غير الديمقراطي وتمكين الشعب الإيراني من الحقوق والحريات، لكن سير الأحداث والوقائع والأقوال كشف حقيقة مختلفة عن ذلك وظهر أن المطلوب رأس النظام بالفعل ولكن معه البرنامج النووي الإيراني وقدرات هذا البلد الصاعد وما يعرف بمحور المقاومة في المنطقة برمّته.
ومثلما خلص إلى ذلك أغلب المتابعين وكذلك الفاعلين السياسيين المحسوبين على هذا الطرف أو ذاك، فإن سوء تقدير كبير حصل في الخطوة التي أقدم عليها ترامب وحليفه المدلّل بنيامين ناتنياهو رئيس حكومة الكيان، فإيران لا تشبه دولا أخرى في المنطقة تمت السيطرة عليها وتدميرها في أزمنة قياسية.
إن سوء التقدير أهمل بالخصوص الجغرافيا السياسية، صحيح أن الأراضي الأمريكية ليست في مرمى الحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية لكن المصالح الأمريكية والحضور الأمريكي المادي يطوّق الجمهورية الإسلامية التي اعتبرت استنادا لـ«قانون الحرب» المعروف أيضا بالقانون الدولي الإنساني، أن خضوع قواعد ومنشآت عسكرية للسيادة الأمريكية في الجغرافيا المجاورة هي أهداف معادية يحق استهدافها.
وهذه الخطوة هي التي خلطت الأوراق وكشفت المستور من النوايا، وحتى إطلاق المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بوساطات متعددة ابرزها الوساطة الباكستانية، فهي أبطأت الأعمال العسكرية لكنها لم توقف الحرب بسبب الفجوة الكبيرة والبون الشاسع في مطالب الطرفين المتحاربين..
في غضون كل هذا، تدفع الإنسانية ثمن حرب الاستنزاف هذه، ولا يغنم منها حتى اللحظة الراهنة سوى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تفيد أغلب التقارير الاقتصادية والاستراتيجية انه اصبح أثرى أثرياء الحرب..
لقد تكبدت إيران رغم صمودها ومقاومتها خسائر كبيرة في الأرواح طالت القادة، وكذلك البنية التحتية، ونفس الأمر بالنسبة إلى أغلب دول المنطقة التي تتكتم حتى الآن عن خسائرها لكنها فادحة أيضا، وبدوره ليس الكيان الصهيوني في أفضل أحواله، وعنفه وتصعيده ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع على حد سواء وضد اللبنانيين خصوصا في الجنوب دليل على الارتباك والذعر..
أما دوليا، فتعطل التجارة في مضيق هرمز بدأ يدخل مرحلة الخطر الكبير وهو ما يفسر «جنون» ساكن البيت الأبيض وتهديده ووعيده ضد إيران..
لقد أدرك الأمريكان أخيرا على ما يبدو أن انهيار الدولة الإيرانية قد يؤدي إلى نتائج كارثية وإلى نزوح ملايين الأشخاص وانتشار الجماعات الإرهابية وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في المنطقة والعالم والحال أن الأهداف السياسية الأمريكية الحقيقية هي ضمان حرية تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز، ومنع إيران من امتلاك برنامج للأسلحة النووية، ولذلك فهي تتأرجح بين استخدام الدبلوماسية والقوة العسكرية لتحقيق ذلك..!
إن مصلحة أمريكا أولا وبقية العالم في هذه اللحظة الراهنة إيقاف حرب الاستنزاف بين واشنطن وطهران والاستفادة على الأقل من دروس الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس دون أن ينتصر فيها أحد أطرافها، والأخذ بعين الإعتبار أن الشعب الإيراني على سبيل المثال لم يعد له ما يخسره، ويصعب أن يفرّط في عزّته وقدراته وعقيدته التي فاجأت العالم في لحظة تشييع قائده علي خامنئي قبل أيام.
شراسة الطبيعة لا تنفي مسؤولية البشر.. «حماة الوطن» يتحدّون النيران ويخمدون الحرائق
رغم جماله وجاذبيته وانتظار الناس له بشغف للاستمتاع بالراحة والترفيه في عطلهم السنوية، فإن…







