2026-07-17

امن‭ ‬أزمة‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬التسويق هل‭ ‬أصبحت‭ ‬وفرة‭ ‬الأفلام‭ ‬التونسية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬استيعابها؟

لصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬فقط،‭ ‬كان‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬ضعف‭ ‬الإنتاج‭ ‬السينمائي‭ ‬وندرة‭ ‬الأفلام‭ ‬الروائية‭ ‬الطويلة‭. ‬وكانت‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬تمرّ‭  ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬الأفلام‭ ‬المنجزة‭ ‬أصابع‭ ‬اليد‭ ‬الواحدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محدودية‭ ‬التمويل‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التصوير‭ ‬وضعف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬انقلب‭ ‬المشهد‭ ‬رأسا‭ ‬على‭ ‬عقب‭. ‬فالسينما‭ ‬التونسية‭ ‬تستعد‭ ‬لاستقبال‭ ‬موسم‭ ‬استثنائي‭ ‬يضم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬فيلما‭ ‬جديدا،‭ ‬فيما‭ ‬تعرف‭ ‬بلدان‭ ‬عربية‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬المغرب‭ ‬ومصر‭ ‬والسعودية‭ ‬والأردن،‭ ‬ديناميكية‭ ‬إنتاجية‭ ‬متسارعة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬معضلة‭ ‬جديدة‭ ‬وهي‭ ‬أنّ‭ ‬الأفلام‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬استيعابها

نجاح‭… ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬ليست‭ ‬أزمة‭ ‬إبداع‭ ‬أو‭ ‬إنتاج،‭ ‬بل‭ ‬أزمة‭ ‬توزيع‭ ‬وعرض‭. ‬فقد‭ ‬ساهمت‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬تخفيض‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وأتاحت‭ ‬الكاميرات‭ ‬الرقمية‭ ‬وبرامج‭ ‬المونتاج‭ ‬الحديثة‭ ‬وتقنيات‭ ‬المؤثرات‭ ‬البصرية‭ ‬إنجاز‭ ‬أفلام‭ ‬بكلفة‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬مستحيلة‭. ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬الصناديق‭ ‬العمومية‭ ‬والشراكات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬تشجيع‭ ‬المنتجين‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬التجربة‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬تتطور‭ ‬منظومة‭ ‬التوزيع‭ ‬بالسرعة‭ ‬نفسها‭. ‬فما‭ ‬تزال‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬محدودة‭ ‬العدد،‭ ‬وتتركز‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬بينما‭ ‬تفتقد‭ ‬ولايات‭ ‬عديدة‭ ‬لأي‭ ‬قاعة‭ ‬عرض‭. ‬والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬عشرات‭ ‬الأفلام‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬للتنافس‭ ‬داخل‭ ‬نافذة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة،‭ ‬فتقتسم‭ ‬الجمهور‭ ‬نفسه‭ ‬وتستهلك‭ ‬إمكاناتها‭ ‬التجارية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬فرصة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المشاهدين‭.‬

والمشهد‭ ‬ذاته‭ ‬بدأ‭ ‬يبرز‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الفيلم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬شاشة‭ ‬تعرضه‭ ‬وسوق‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬العائدات‭.‬

القاعة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها

لقد‭ ‬بُنيت‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬واضح‭: ‬يبدأ‭ ‬الفيلم‭ ‬رحلته‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬السينما،‭ ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬التلفزيون‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الكم‭ ‬المتزايد‭ ‬من‭ ‬الإنتاج

فالقاعة‭ ‬السينمائية،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬عددها،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬منح‭ ‬كل‭ ‬فيلم‭ ‬مدة‭ ‬عرض‭ ‬كافية،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تتزامن‭ ‬العروض‭ ‬المحلية‭ ‬مع‭ ‬الأفلام‭ ‬الهوليوودية‭ ‬أو‭ ‬الإنتاجات‭ ‬التجارية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬الشاشات‭. ‬وهكذا‭ ‬تتحول‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الأفلام‭ ‬الوطنية‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬نجاحها،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬موضوعاتها‭ ‬وقيمتها‭ ‬الفنية‭.‬

تنويع‭ ‬محامل‭ ‬العرض‭… ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬خيار

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭ ‬قد‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬أزمة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬المقبل‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬ابتكار‭ ‬منظومة‭ ‬العرض‭ ‬والتوزيع‭.‬

فالمطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬تنويع‭ ‬محامل‭ ‬العرض‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالقاعات‭ ‬التقليدية‭. ‬ويمكن‭ ‬للمهرجانات‭ ‬الصيفية‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬لعرض‭ ‬أحدث‭ ‬الإنتاجات‭ ‬الوطنية،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬للجامعات‭ ‬ودور‭ ‬الثقافة‭ ‬والمراكز‭ ‬الثقافية‭ ‬أن‭ ‬تستضيف‭ ‬دورات‭ ‬منتظمة‭ ‬للعروض‭ ‬السينمائية‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تبدو‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬العربية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الحلول‭ ‬المستقبلية‭. ‬فوجود‭ ‬منصات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬العربية،‭ ‬تعتمد‭ ‬نظام‭ ‬الاشتراكات‭ ‬أو‭ ‬الدفع‭ ‬مقابل‭ ‬المشاهدة،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬أسواقا‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬الأفلام،‭ ‬ويمنحها‭ ‬عمرا‭ ‬تجاريا‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬داخل‭ ‬القاعات

ولا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬تطوير‭ ‬شبكات‭ ‬التوزيع‭ ‬الإقليمية،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬الفيلم‭ ‬التونسي‭ ‬رهين‭ ‬السوق‭ ‬المحلية،‭ ‬بل‭ ‬يجد‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬والجزائر‭ ‬والخليج‭ ‬وبقية‭ ‬الأسواق‭ ‬العربية،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬الإنتاجات‭ ‬العالمية‭.‬

اقتصاد‭ ‬جديد‭ ‬للسينما‭ ‬العربية

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الموهبة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة،‭ ‬وأن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬كسرت‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الحواجز‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعيق‭ ‬الإنتاج‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الصناعة‭ ‬السينمائية‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬بإنتاج‭ ‬الفيلم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬فعليا‭ ‬عندما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬جمهوره‭ ‬ويحقق‭ ‬عائدات‭ ‬تسمح‭ ‬بإنتاج‭ ‬أفلام‭ ‬جديدة‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬تفرض‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬جديد‭ ‬للسينما‭ ‬العربية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬أسواق‭ ‬التوزيع،‭ ‬وإطلاق‭ ‬منصات‭ ‬عرض‭ ‬متخصصة،‭ ‬واستثمار‭ ‬الإمكانات‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬التقنيات‭ ‬الرقمية،‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬الوفرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وثقافية،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الأفلام‭ ‬أن‭ ‬تتزاحم‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الشاشات‭.‬

فالرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬إنتاج‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأفلام،‭ ‬بل‭ ‬إنتاج‭ ‬سوق‭ ‬عربية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬احتضانها،‭ ‬وضمان‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬كل‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬المشاهد،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬حبيسة‭ ‬مهرجان‭ ‬أو‭ ‬أسبوع‭ ‬عرض‭ ‬عابر‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان‭ ‬تستور‭… ‬حين‭ ‬أنقذت‭ ‬المدينة‭ ‬مهرجانها‭ ‬من‭ ‬الإلغاء الـمـهـرجـانـات‭ ‬فـي‭ ‬تـونـس‭ ‬بـيـن‭ ‬أزمـة‭ ‬تـمـويـل‭ ‬و‭ ‬أزمــة‭ ‬بــرمـــجـــــة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي لم‭ ‬يكن‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬إقامة‭ ‬الدورة‭ ‬الستين‭ ‬لمه…