2026-07-17

مهرجان‭ ‬تستور‭… ‬حين‭ ‬أنقذت‭ ‬المدينة‭ ‬مهرجانها‭ ‬من‭ ‬الإلغاء الـمـهـرجـانـات‭ ‬فـي‭ ‬تـونـس‭ ‬بـيـن‭ ‬أزمـة‭ ‬تـمـويـل‭ ‬و‭ ‬أزمــة‭ ‬بــرمـــجـــــة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

لم‭ ‬يكن‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬إقامة‭ ‬الدورة‭ ‬الستين‭ ‬لمهرجان‭ ‬تستور‭ ‬الدولي‭ ‬للمالوف‭ ‬والموسيقى‭ ‬العربية‭ ‬التقليدية‭ ‬خبرا‭ ‬عاديا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬انتصارا‭ ‬صغيرا‭ ‬على‭ ‬شبح‭ ‬الإلغاء‭ ‬الذي‭ ‬خيّم‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعرق‭ ‬التظاهرات‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬فقبل‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة،‭ ‬بدا‭ ‬وكأن‭ ‬مهرجانا‭ ‬يحمل‭ ‬ستة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬سيطوي‭ ‬صفحته‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬بسبب‭ ‬ضيق‭ ‬الإمكانيات‭ ‬المالية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭ ‬لإنقاذ‭ ‬مهرجانها،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬الأزمة‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تعيشها‭ ‬المهرجانات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬تونس‭.‬

فالبيان‭ ‬الذي‭ ‬أصدرته‭ ‬الهيئة‭ ‬المنظمة‭ ‬لم‭ ‬يخف‭ ‬حجم‭ ‬الصعوبات،‭ ‬إذ‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬الدورة‭ ‬الحالية‭ ‬جاءت‭ ‬استجابة‭ ‬لإلحاح‭ ‬أهالي‭ ‬تستور،‭ ‬وبدعم‭ ‬من‭ ‬الدكتورة‭ ‬أحلام‭ ‬العرفاوي‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والمثقفين‭ ‬والفنانين،‭ ‬مع‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الاستشهار‭ ‬والدعم‭ ‬المالي‭ ‬والمعنوي‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭ ‬والغيورين‭ ‬عليها،‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الثقافي‭ ‬وعلى‭ ‬خصوصية‭ ‬مهرجان‭ ‬المالوف

المال‭ ‬قوام‭ ‬الأعمال

وتخفي‭ ‬هذه‭ ‬النهاية‭ ‬السعيدة‭ ‬نسبيا‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أزمة‭ ‬هيكلية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تخص‭ ‬مهرجان‭ ‬تستور‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬السمة‭ ‬المشتركة‭ ‬لعشرات‭ ‬المهرجانات‭ ‬الوطنية‭ ‬والدولية‭. ‬فمنحة‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬الارتفاع‭ ‬الجنوني‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفني،‭ ‬بينما‭ ‬تضاعفت‭ ‬أجور‭ ‬الفنانين،‭ ‬وارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬النقل‭ ‬والإقامة‭ ‬والتجهيزات‭ ‬التقنية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬التعقيدات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتحويل‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬عند‭ ‬التعاقد‭ ‬مع‭ ‬الفنانين‭ ‬الأجانب،‭ ‬وهي‭ ‬إجراءات‭ ‬أصبحت‭ ‬تستغرق‭ ‬وقتا‭ ‬طويلا‭ ‬وتفرض‭ ‬التزامات‭ ‬مالية‭ ‬وإدارية‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬المنظمين‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الفنانين‭ ‬العرب‭ ‬والعالميين‭ ‬الذين‭ ‬يمثلون‭ ‬عنصر‭ ‬الجذب‭ ‬الأكبر‭ ‬للجمهور‭ ‬باتوا‭ ‬يفرضون‭ ‬أجورا‭ ‬مرتفعة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬اشتراط‭ ‬تذاكر‭ ‬سفر‭ ‬من‭ ‬درجات‭ ‬عالية‭ ‬وإقامة‭ ‬فندقية‭ ‬وخدمات‭ ‬لوجستية‭ ‬مكلفة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استضافتهم‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬كامل‭ ‬ميزانية‭ ‬مهرجان‭ ‬متوسط‭ ‬الحجم‭. ‬لذلك‭ ‬أصبح‭ ‬مديرو‭ ‬المهرجانات‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬مستحيلة‭: ‬إما‭ ‬برمجة‭ ‬أسماء‭ ‬كبيرة‭ ‬تستنزف‭ ‬الميزانية،‭ ‬أو‭ ‬الاكتفاء‭ ‬ببرامج‭ ‬متواضعة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬الإقبال‭ ‬الجماهيري‭ ‬المطلوب‭.‬

الفنان‭ ‬محمد‭ ‬الجبالي‭ ‬في‭ ‬الموعد

ولعل‭ ‬برنامج‭ ‬الدورة‭ ‬الستين‭ ‬لمهرجان‭ ‬تستور‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭. ‬فقد‭ ‬اختارت‭ ‬الهيئة‭ ‬المنظمة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬المهرجان‭ ‬الأصلية،‭ ‬أي‭ ‬الموسيقى‭ ‬التراثية‭ ‬والمالوف،‭ ‬مع‭ ‬حضور‭ ‬محدود‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬التونسية‭ ‬المعروفة‭. ‬وتنطلق‭ ‬الدورة‭ ‬يوم‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬مع‭ ‬الفنانة‭ ‬درة‭ ‬الحدادي،‭ ‬ثم‭ ‬تحيي‭ ‬فرقة‭ ‬أنفاس‭ ‬المالوف‭ ‬بقيادة‭ ‬بدر‭ ‬الدين‭ ‬جبيس‭ ‬سهرة‭ ‬السادس‭ ‬والعشرين،‭ ‬تليها‭ ‬فرقة‭ ‬شيوخ‭ ‬المالوف‭ ‬بتستور‭ ‬يوم‭ ‬27‭ ‬جويلية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يلتقي‭ ‬الجمهور‭ ‬مع‭ ‬الفنان‭ ‬محمد‭ ‬الجبالي‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين،‭ ‬ثم‭ ‬الفنانة‭ ‬عايدة‭ ‬النياطي‭ ‬يوم‭ ‬29‭ ‬جويلية،‭ ‬لتختتم‭ ‬التظاهرة‭ ‬يوم‭ ‬30‭ ‬جويلية‭ ‬بعرض‭ “‬زيارة‭” ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬أنجح‭ ‬المشاريع‭ ‬الموسيقية‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

ورغم‭ ‬غياب‭ ‬النجوم‭ ‬العرب‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬اعتاد‭ ‬الجمهور‭ ‬رؤيتهم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدورات‭ ‬السابقة،‭ ‬فإن‭ ‬البرمجة‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬المهرجان،‭ ‬وراهنت‭ ‬على‭ ‬الموسيقى‭ ‬التراثية‭ ‬وعلى‭ ‬الفنانين‭ ‬التونسيين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬جمهور‭ ‬وفيّ‭ ‬لهذا‭ ‬الموعد‭ ‬الثقافي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬تستور‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المدينة‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬مهرجان‭ ‬عريق‭ ‬بلغ‭ ‬عامه‭ ‬الستين‭ ‬كاد‭ ‬يلغى‭ ‬بسبب‭ ‬نقص‭ ‬التمويل،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬بقية‭ ‬المهرجانات‭ ‬الأقل‭ ‬تاريخا‭ ‬والأضعف‭ ‬موارد؟‭ ‬وهل‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬التظاهرات‭ ‬الثقافية‭ ‬معتمدة‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬اجتهادات‭ ‬الجمعيات‭ ‬والمتطوعين‭ ‬ودعم‭ ‬أبناء‭ ‬الجهة؟

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬مراجعة‭ ‬سياسة‭ ‬تمويل‭ ‬المهرجانات‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بالترفيع‭ ‬في‭ ‬المنح‭ ‬العمومية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬بفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬شراكات‭ ‬أوسع‭ ‬مع‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وتبسيط‭ ‬إجراءات‭ ‬استقدام‭ ‬الفنانين‭ ‬الأجانب،‭ ‬وإيجاد‭ ‬صيغ‭ ‬جديدة‭ ‬للرعاية‭ ‬الثقافية‭ ‬تضمن‭ ‬استدامة‭ ‬هذه‭ ‬التظاهرات‭.‬

لقد‭ ‬أنقذت‭ ‬تستور‭ ‬مهرجانها‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬بفضل‭ ‬تضامن‭ ‬أهلها‭ ‬ومحبيها،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬المعجزات‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭. ‬فالمهرجانات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حفلات‭ ‬صيفية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬البلاد‭ ‬وفي‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الفنية،‭ ‬وحين‭ ‬يصبح‭ ‬بقاؤها‭ ‬رهين‭ ‬حملات‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الموسمية،‭ ‬فإن‭ ‬الأزمة‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬مهرجان‭ ‬واحد‭ ‬لتصبح‭ ‬أزمة‭ ‬ثقافية‭ ‬وطنية‭ ‬تستوجب‭ ‬حلولا‭ ‬عاجلة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

امن‭ ‬أزمة‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬التسويق هل‭ ‬أصبحت‭ ‬وفرة‭ ‬الأفلام‭ ‬التونسية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬استيعابها؟

لصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬فقط،‭ ‬كان‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ …